فسرت بالمساجد ، وفسرت بالقلوب ، وكيفما كان ، فرفعها : تحققها واشتمالها على ما ذكره من الدرجات المذكورة ، وتمام الآية يحققه .
تنبيه : لما أدّعى فرعون الربوبية ، واعتقد الجهة للّه تعالى قال :
يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ * أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى
فرد اللّه عليه وسخف سوء رأيه بقوله تعالى :
وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ
أي عدل عن سبيل القرب والدنو من إله موسى ، فإنه تنزه عن علو المكان ، وإنما يصعد إليه بالكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه « 1 » .
أين هو من قول موسى
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
مع أنه لم يبن له صرح ، ولا احتاج في الدنو والقرب إلى صعود السماء .
وكذلك إبراهيم حين جاء ربه بقلب سليم ، ووهب له لسان صدق علي ، فكان مجيئه إليه ، ووصوله إليه ، وعلوه : بسلامة القلب وصدق اللسان ، لا بالتسور والصعود للمكان ، وقد ثبت إيواء اللّه للمؤمنين في قوله تعالى :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ
.
وفي صحيح البخاري « 2 » عن أبي واقد الليثي أن ثلاثة حضروا حلقة ذكر ، فدخل أحدهم الحلقة ، والثاني جلس خلقهم ، والثالث أدبر ذاهبا ، فقال ( عليه الصلاة والسلام ) : « أما أحدهم فأوى إلى اللّه فآواه اللّه ، والآخر استحيا فاستحيا اللّه منه ، والآخر أعرض ، فأعرض اللّه عنه » .
فنبه ( ص ) ، على أن الداخل أوى إلى اللّه ، فآواه اللّه ، مع العلم بأنه ليس الإيواء في الآية والحديث باعتبار مكان .
وفي صحيح « 3 » مسلم وغيره عن أبي هريرة ( رضي اللّه عنه ) ، أن النبي ( ص )
هامش
( 1 ) يشير لقوله تعالى :إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُا ه مخيون .
( 2 ) في « كتاب العلم » من صحيح البخاري ، عن أبي واقد الليثي أن رسول اللّه ( ص ) بينما هو جالس في المسجد ، والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلى رسول اللّه ( ص ) ، وذهب واحد ، قال : فوقفا على رسول اللّه ( ص ) ، فأما أحدهما ، فرأى فرجة في الحلقة ، فجلس فيها ، وأما الآخر فجلس خلقهم ، وأما الثلث ، فأدبر ذاهبا ، فلما فرغ رسول اللّه ( ص ) قال :
ألا أخبركم عن النفر الثلاثة : أما أحدهم فأوى إلى اللّه فآواه اللّه ، وأما الآخر فاستحيا ، فاستحيا اللّه منه ، وأما الآخر ، فأعرض ، فأعرض اللّه عنه » ا ه مخيون .
( 3 ) في صحيح مسلم في باب « النهي عن البصاق في المسجد » ، عن أبي هريرة : أن رسول اللّه