يقرؤه ويغيب بذلك عن قراءة نفسه ، حتى كأنه يسمعه من النبي ( ص ) ، ومما يدل على ذلك ويوضحه لك ، أن السورة التي أمر بقراءتها هي :
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا
وهي مشتملة على قوله :
حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
فكان أبي إذا قرأها صغي بأذن قلبه إلى روح النبوة يتلوا عليه ذلك ، فأراد اللّه أن يحقق له في عالم الشهادة من تلاوة النبي ( ص ) ما كان يشهده في عالم الغيب .
( لطيفة ) : حكمة استعارة الإحراق لمحو صفات الخلق : التنبيه على أن حقيقة الخلق تراب ، وباقي صفات الخلق إنما هي أثر تجليات الحق بصفاته ، فلو ظهرت صفاته رجع الخلق إلى أصله ترابا ، كما أن النار أي شيء أحرقته جعلته رمادا ، وأزالت جميع صفاته .
« تربية » : قد قدّمنا ان قوله :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
ينبه على أن لوجهه الكريم تجليين : تجل بجلاله في حجاب النار ، وتجل باكرامه في حجاب النور ، فيحتاج أهل المراقبة إلى معرفة قبلة هذا التجلي وميقاته ومشرقه .
فاعلم يا عبد اللّه أن قبلة هذا التجلي القلب ، وميقاته : الصلاة .
ومشرق الجلال : سبحان اللّه .
ومشرق الإكرام : الحمد للّه .
فمن أراد شهود وجه ربه الباقي ، فليجعل قبلته قلبه ، وميقاته صلاته ، ثم له حالان :
الحال الأول : أن يغلب على قلبه تنزيهه مما سوى اللّه ، فهذا مشرقه سبحان اللّه ، ووجه ربه يتجلى عليه بجلاله في حجاب النار ، كما تجلى لموسى ( ع ) ، ولهذا أمر اللّه أتباعه أن يقتدوا به في ذلك بقوله :
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
« * » فهذه القبلة والميقات . ونبه على تجليه عليه في مشرق « سبحان اللّه » في حجاب النار ، بقوله :
فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« * * » .
هامش
( * ) سورة يونس ؛ الآية : 87 .
( * * ) سورة النمل ؛ الآيتان : 8 و 9 .