يكون إلّا بين جسمين .
فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك .
والثاني : النسبة التي بين العرض والجوهر ، فإن العرض يكون قوامه بالجوهر ، فقد يعبر عنه بأنه حال فيه ، وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه .
فدع عنك ذكر الرب تعالى في هذا المعرض ، [ فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلّا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام ] « * » .
فلا يتصور الحلول بين عبدين ، فكيف يتصور بين العبد والرب تعالى .
وإذا بطل الحلول والانتقال والاتحاد والاتصاف بأمثال صفات اللّه تعالى ، على سبيل الحقيقة ، لم يبق لقولهم معنى ، إلّا ما أشرنا إليه في التنبيهات ، وذلك يمنع من إطلاق القول بأن معاني أسماء اللّه تصير أوصافا للعبد إلّا على نوع من التقييد ، خال عن الإيهام . وإلّا فمطلق هذا اللفظ موهم .
فإن قلت : فما معنى قوله : إن العبد مع الاتصاف بجميع ذلك سالك لا وأصل ؟ فما معنى السلوك ؟ وما معنى الوصول ؟ .
فاعلم أن السلوك هو « تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف » ، وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن ، والعبد في ذلك مشغول بنفسه عن ربه ، إلّا أنه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول ، وإنما الوصول هو : أن ينكشف له حلية الحق ، ويصير مستغرقا به ، فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلّا اللّه تعالى ، وإن نظر إلى همته ، فلا همة له سواه ، فيكون كله مشغولا بكله ، مشاهدة وهما ، لا يلتفت في ذلك إلى نفسه ، ليعم ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الأخلاق ، وكل ذلك طهارة ، وهي البداية .
وإنما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ، ويتجرد له ، فيكون كأنه هو ، وذلك هو : الوصول .
فإن قلت : كلمات الصوفية تنبىء عن مشاهدات انفتحت لهم في طور الولاية ، والعقل يقصر عن درك الولاية ، وما ذكرتموه : تصرف ببضاعة العقل .
فاعلم : « أنه لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته .
هامش
( * ) هكذا هذه العبارة .