فلم يبق إلّا أن اللازم راجع إلى معنى الانفعال وإيجاده بالفعل ، أي وقوف الإشارات والحركات عليه ، فيكون هو المحرك القابض الباسط ، والنفوس معه كالحديد مع المغناطيس - على وجهة التمثيل - وللّه المثل الأعلى ، ونفي الوساطة على الطريق التي قدمناها .
ومن حقق من الصوفية ، وعلم وقوف الأشياء عليه ، وأن الأمور لا قوام لها دونه ، قال أحدهم : « ما في الجبة إلّا اللّه تعالى » « 1 » مبالغة في التوحيد « 2 » ، وقال آخر : « سبحاني » ، فإنه رأى الياء مكان الإضافة ، فان الفرق ضرب من الشرك ، في قوله : « سبحان اللّه » فاجراء الأوصاف لا يعتد بها إلّا لفصل ، فإن قولنا : « سبحان الكريم » نفي للبخل : وإذا قلنا : « سبحان اللّه » فمعناه نفي الشريك ، ولا يكون النفي إلّا مع توهم الشريك ، فالموحدون منهم بلغ بهم التوحيد إلى أن رأوا التبري منه سوء أدب ، ولكن الكلام إذا وقع بالضرورة إليه ، والتجىء إلى النطق به : لا معنى للهرب ، فقد وقعوا في « أشد » كما زعمت الفلاسفة : « أن الباري تعالى لا يقال له موجود ، فإن ذلك يؤدّي إلى دخوله مع الموجودات تحت الجنس ، وهذا نفي معنى ، وهو سهل » ، ا ه .
وكل فاهم للتصوف الإسلامي ، ولأقوال صوفيته على غير كلمة الإمام الغزالي في « المقصد » فهو أحد اثنين :
إما مخدوع وإما متحكم .
وكل كلام لأهل « صوفة » غاير في ظاهره الشريعة ، فأما مؤول ، وإما مدسوس عليهم من الزنادقة ، وإما من صاحب حال في حال سكر « 3 » لم تسعفه الألفاظ ، ولسان العلم قاصر أيضا كلسان التعبير ، لأنهم يتكلمون عمن قال عن نفسه سبحانه :
لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
وقال عنه سيد البشر وأعلمهم به ( ص ) :
« سبحانك ، لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » فكم من سامع
هامش
( 1 ) وفي النحو قولهم : « حذف ما يعلم جائز » ومعلوم أن اللّه تبارك وتعالى ليس في الجبة قطعا وإنما فيها صنعته . ويكون التقدير « ما في الجبة إلّا صنعة اللّه تبارك وتعالى » ، واللّه تعالى أعلم .
( 2 ) وهو ما يعبر عنه بمحق النفس ، وإثبات أن لا موجود إلّا اللّه تعالى .
( 3 ) هو ما يعبر عنه بغلبة الحال ، والمغلوب في حالة غياب عن نفسه .