على زعمك ، والآثار والأخبار فيها صحيحة ، لكن يا ملعون تريد أن تغرني بكرم اللّه تعالى ومن أين أعلم أني ممن عفى عنه أو يغفر له نعم يلحق كرمه ورحمته ومغفرته وعفوه بمن شاء من عباده ، كما يلحق عقوبته ونقمته بمن شاء من عصاته ، وأنا لا أدري من أي الفريقين أنا عند فعلي هذا ، ولعل اللّه تعالى كما حرمني التوبة من المعصية هنا يحرمني عفوه قبل دخولي النار ، فينتقم مني ، ألا وإن الذنب يزيد الكفر فلو علمت قطعا أني ممن يعفى عنه قطعا ، ولا يؤخذ بذنب ربما اغتررت بكلامك ، وذلك حمق مني وجهل ، بل كان الواجب أن أبذل جهدي في طاعة اللّه شكرا للّه تعالى وحياء منه ، فإنه أولى من أن أستحي منه كيف وما بشرني على التعيين ، ولا أمنني بل تركني مهملا في معصيتي بين عفوه وعذابه كيف أغتر بزورك وبزور نفسي الأمارة بالسوء .
فصل : وعليك بالورع وهو اجتناب جاءك في صدرك قال النبي ( ص ) : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » ولو لم تجد غيره وأنت محتاج إليه واتركه للّه يعوضك اللّه خيرا منه ، ولا تستعجل فالورع أساس الدين ، فإذا استعملته زكت أفعالك ، ونجحت أحوالك ، وكملت أقوالك ، وسارعت إليك الكرامات ، وكنت محفوظا في جميع أمورك حفظا إلهيا لا شك فيه اللّه اللّه يا أخي الورع الورع .
فصل : وعليك بالزهد في الدنيا وقلّة الرغبة فيها ، بل إعدمها من قلبك جملة واحدة ، وإن كنت لا بد لها طالبا فاقتصر على طلب القوت منها من وجهه فلا تنافس أبناءها فإنها عرض لا يبقى ولا ينال الراغب منها مراده أبدا واللّه تعالى لا يعطيه إلّا ما قسم له ، والراغب فيها لا يزال كثير الحزن عليها ممقوتا عند اللّه تعالى فإن مثل الطالب لها كمثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا عطشا وحسبك من تشبه النبي ( ص ) بالجيفة والمزبلة ، وهل يجتمع على الجيفة والمزبلة إلّا الكلاب .
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 532
مساهمون: ابن عربي
ص٥٣٢