والرحمة بهم لأنهم ممن سخرهم اللّه سبحانه لك فلا تحملهم فوق طاقتهم ولا تركب ما تركب منها بطرا وباشر كذلك ملك اليمن من الرقيق لأنهم إخوانك قد ملكك اللّه نواصيهم ليرى كيف تتصرف فيهم ، فأنت عبدا له سبحانه وتعالى فما تحب أن يفعله معك كذلك بعينه افعل مع غلمانك وجواريك فإن اللّه تعالى يجازيك ، وما تحب أن يصرفه عنك من القبيح والسوء ذلك بعينه افعله معهم فالكل عيال اللّه تعالى وأنت من جملة العيال فإن كان لك ولد فعلّمه القرآن ، لا لغرض من أغراض الدنيا وإلزمه محافظة آداب الشريعة والأخلاق الدينية واحمله على الرفق والزهد من صغره كي يعتادها ولا تزرع الشهوات في قلبه وبغض إليه زينة الحياة الدنيا ، وما يؤول إليها صاحبها من نقص الحظ في الآخرة وما يؤول إليه تاركها من جزيل العطا في الآخرة ، ولا تعمل ذلك شحا على درهمك ومالك .
ومما لا بد منه أن لا تقترب من أبواب السلطان ، ولا تصاحب المتنافسين في الدنيا فإنهم يأخذون بقلبك عن اللّه تعالى فإن اضطرك أمر إلى صحبتهم فعاملهم بالنصيحة ولا تغشهم فإنك تعامل الحق سبحانه وتعالى ، ومهما فعلت سخروا لك في عموم أحوالك فتوجه إلى اللّه تعالى في تخليصك مما أنت فيه بما هو أحسن لك في دينك ومما لا بد منه الحضور مع اللّه تعالى في جميع حركاتك وسكناتك ، وأوصيك بالإنفاق في السراء والضراء والشدة والرخاء ، فإن ذلك دليل على ثقة القلب بما عند اللّه تعالى فإن البخيل جبان يأتيه الشيطان فيمد أمله ، ويطيل عمره ويقول له : إن أنفقت مالك هلكت وبقيت مثلة بين أقرانك وأصحابك بلا شيء فأمسك عليك ، واستعد إلى نوائب الزمان ولا تغتر بهذا الرخاء الذي أنت فيه فما تدري ما يحدث اللّه في العام القابل ، وإن كانت أوقات شدة وضراء فيقول لك أمسك عليك أحدا شيئا ، فإنك لا تدري متى تنقضي هذه الشدة ولعل هذا الأمر لا يزداد إلّا صعوبة واحفظ على نفسك فما أحد ينفعك إذا لم يبق معك
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 528
مساهمون: ابن عربي
ص٥٢٨