واعلم أن العطش من الشهوات الكاذبة : جربناه ، فوجدناه كذا ، وجربه غيرنا فوجده كذلك .
فعود نفسك أن تمسكها عن الماء ، وإن عطشت ، فإنك إن جاهدتها قليلا : تنعمت بها كثيرا ، وتقيم - واللّه - الشهور الكثيرة ، نعم والسنين : لا تشرب فيها ماء : البتة ، ولا تشتهيه ، ولا يؤثر في مزاجك ولا بدنك ، وتقنع الطبيعة بما تسهل من الرطوبات التي في الغداء « 1 » .
ولهذا نستحب ، بل نوجب المجاهدة والرياضة في العزلة قبل الخلوة حتى يصير ذلك طبعا وعادة ، ولا تحس النفس به ، كما لا تحس بالعادات ، فتدخل الخلوة عقيب ذلك : مستريحا ، نشيطا ، طيب النفس ، فارغا من المجاهدة ، خالي المحل من المكابدة ، مهيئا مفرغا لذكر المذكور ، والتجلي المطلوب ، والوارد الآتي عليك ، فإن المجاهدة في الخلوة تذهب بجمعية الخلوة التي هي روحها « 2 » لأنها شغل في الوقت ، فتحفظ من ذلك جهدك ، وقدم العزلة ولا بد ، واجعل مجاهدتك فيها حتى تأنس بذلك ، واندرج منها إلى الخلوة المطلوبة يسرع إليك الفتح إن شاء اللّه تعالى .
ومهما تكلفت شيئا في خلوتك من : سهر ، أو جوع ، أو عطش ، أو برد ، أو حديث نفس ، أو وحشة ، فأخرج منها إلى عزلتك حتى تستحكم .
هامش
( 1 ) يعني بإمتصاص ما في الأغذية من الماء .
( 2 ) يعني أن روح الخلوة : مجاهدة الشهوات ، وتكبد المشاق والمتاعب .