الأعلى ، والملائكة العلى ، بالمكانة الزلفى ، والنظر الأجلى ، ما سرّني أن أطيق تصبّرا عن اللحوق ، ولا أنني خلو من تعلق الهمم به والاشتياق إليه ، وكيف لا يكون ذلك مني وهو أصلي وكلي ؟ ولما تحيلت الأغراض منه عني بطول الحبس في عالم التركيب الأسفل ، تعطين التخليص والتسخير ، أردت إقامة الحجة على كل خاطر يحرّضني عن العدول عن هذه الحجة ، وعلمت أني لا بد لي من الرجوع إليه والنزول عليه ، والتخليص من هذه السّدفة الترابية واقع على كل حال ، والإقامة في عالم الفساد على الدوام محال . سألت اللّه في السلوان عن هذا التعلق بالتضرع والإنابة ، وقد تحققت في ذلك عدم الإجابة ، فأرضيت الفريقين ، هيهات وكيف يسلو فرع عن أصله ؟ ولولاه ما غذاه الماء ، ولا امتدت إليه الأفياء . ومنه قول الآخر :
يعيّرني قومي بذلّي في الهوى * وكم من ذليل في الهوى يكسب العزّا
إذا كنت تهوى فاجعل الذلّ جنّة * فإني رأيت الكبر من ذي الهوى عجزا
السماع في ذلك : لما كان الهوى محله النفس ، وكان تعلقه بالمجانس لها ، عيّره أهل الحجاب بذلته لمجانسه وشكله ، فقال لهم : ليس الأمر كما تزعمون ، فإن التعلق وإن كان بالمناسب ، فالمناسب هنا قوله : خلق آدم على صورته ، وليس كمثله شيء ، والتجلي في الصور مشروع ، والمناسبة في صور التجلي وهو روحها ، ومحبتها تنتج محبته ، ومحبته تورث كون المحبة من حيث هو حبيب له ، سمعا له وبصرا . فأي عزّ ؟ وأية قوة ؟ وأي عظم يقاوم عزّ من هو مع الحق بهذه المثابة ؟ فهو قوله : وكم من ذليل في الهوى يكسب العزّا ، وذلّ الهوى جنة لهذا العز ، يتعلق الذمّ به دونه ، يقول : وإذا رأيت من يتكبّر في هواه فذلك لعدم مواصلة ، فيرى أن ذلك من كبر نفسه ، وهذا في جناب الحق غير لائق وفي سماع العارفين .
ومن باب النسيب قولنا
ألا يا نسيم الريح بلّغ مها نجد * بأني على ما تعلمون من العهد
وقل لفتاة الحي موعدنا الحمى * غديّة يوم السبت عند ربا نجد
على الربوة الحمراء من جانب الضوى * وعن أيمن الأفلاج والعلم الفرد
فإن كان حقا ما تقول وعندها * إليّ من الشوق المبرّح ما عندي
إليها ففي حرّ الظهيرة نلتقي * بخيمتها سرا على أصدق الوعد
فنلقى ونلقى ما نلاقي من الهوى * ومن شدة البلوى ومن ألم الوجد