وكن أنت في القلب ، وصيّر على طلائعك البطّال وأمره فليعس بالليل في العسكر ، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع . فإذا أردت بلاد الروم إن شاء اللّه تعالى فاقحم بالناس ، واقدم بهم إقداما واحدا ، حتى ترعب قلوبهم ، وتزلزل أقدامهم ، وتبدّد جمعهم ، وتهابك ملوكهم ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم .
واعلم أنهم سيلقونك بجمع كثير وسلاح ، فلا يهولنّك ذلك ، فإن اللّه مخزيهم ، وضارب وجوههم .
واعلم يا بنيّ إنما نصبتك لهذا الوجه ، وشرّفتك بهذا الجيش ، وصيّرته لك ذكرا وذخرا تذكر به أبدا ، فإياك أن تنكص أو تولّي منهزما ، فإنك إن فعلت ذلك استوجبت من اللّه المقت ، ومن عباده البغض ، ومن ملائكته اللعنة .
واعلم يا بني أنك إن نكلت وأبليت وقتلت ورميت ، واللّه الفاعل ذلك ، والقاتل لهم ، وهو رادّهم على أعقابهم خاسئين .
ثم أقبل على المسلمين فقال :
يا إخواني وأعواني ، هذا مسلمة ابني ، وهو سيفي وسهمي ورمحي ، وهو أميني ، جعلته عليكم ، وقد رميت به في نحر العدو والروم ، وقد علمتم أنه ثمرة قلبي ، وحبيب نفسي من صلبي لا من أصلابكم ، وقد وهبته للّه عز وجل ، وبذلت دمه ومهجته طلبا لرضوان اللّه عز وجل ، فأعينوه أنتم ، واعضدوه وانصروه ، وأقدموا إذا قدم ، وحثّوه إذا نكص ، وشجعوه إذا جبن ، وأيقظوه إذا نام ، وأنبهوه إذا سها ، ولا تغفلوا عنه ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم .
ثم عانق مسلمة وقال : السلام عليك يا حبيبي ، وثمرة قلبي ، ثم قلّده سيفين : سيف عبد الملك وسيفه ، ثم عمّمه بعمامة بيضاء ، وحمله على فرس أشهب ، فخرج مسلمة يوم الجمعة بعد صلاة الظهر ، وذلك أول يوم من رجب ، وخرجنا معه ، وخرج عبد الملك معنا يشيّعنا حتى بلغ إلى باب دمشق ، فودّعنا عبد الملك بن مروان ورجع ، وخرجنا فدخلنا طرسوس ، وفيها نفر من المسلمين يسير ، فأمرهم مسلمة أن يقيموا ، ولم يغير تلك السنة .
قال عبد اللّه بن سعيد : فأقام القوم بها ، وخرجنا ، فلم نزل نسير حتى انتهينا إلى قريب من عمورية . وبلغ شمعون صاحب عمورية أن العرب قد غزتهم ، فبعث إلى رؤساء أهل القرى والمدن فاجتمعوا إليه ، فأقام بعمورية . وأتى مسلمة الخبر بجمع شمعون له ، وأنه خارج إليه ، فجمع مسلمة الناس ثم قال لهم : قد علمتم جلب عدوّكم عليكم ، وطلبه لكم ، فإنه خارج ، وقد اجتمعوا ، واشتدّ أمرهم . فتعالوا فاجتمعوا ، فاجتمعنا ، فصيّر على المقدمة
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 266
مساهمون: محمد عبد الكريم النمرى
ص٢٦٦