شئت كان أعيا بأقل ، وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل ، وإن شئت سردت نوادره ، وشجتك مواعظه .
ومما حدّثني فيما يرجع في قول الشعر إليه شيخنا أبو عبد اللّه محمد بن سعيد عن شيخه أبي محمد بن عبد اللّه بن عبدون الكاتب قال : حملني أبي إلى الأستاذ لأنظر عليه شيئا من كتب الأدب ، وكنت قد بدأت قول الشعر قليلا قال : فأراد الأستاذ امتحاني في ذلك ، وتعرض لتقبيح الشعر ، فقال لي : يا ولدي ، بلغني أنك تكتب على صغرك ، فقلت :
هو كما قيل لك ، فقال : أجز الشعر خطة خسف ، فقلت : لكل طالب عرف للشيخ عيبة عيب ، وللفتى طرف ظرف ، فاستحسنه الشيخ .
حدّثني أبو جعفر بن يحيى بقرطبة قال عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه ابن سيدي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وقد سأله بعض أصحابه ، وكان لا يجالس الناس ولا يرى إلا وفي يده كتاب ، فقال في ذلك : لم أر آنس من كتاب ، ولا أسلم من الوحدة .
وقال بعضهم : ما رأيت بستانا يحمل في ردن ، وروضة تنقل في حجر ينطق عن الموتى ، ويترجم عن الأحياء ، من الكتاب لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ، ولا ينطق إلا بما تهوى ، آمن من الأرض ، وأكتم للسر من صاحب السر ، وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة ، ولا أعلم جارا أبرّ ، ولا خليطا أنصف ، ولا رفيقا أطوع ، ولا معلّم أخضع ، ولا صاحب أظهر كفاية وعناية ، ولا أقل إبراما وإملالا ، ولا أبعد من مرا ، ولا أترك لشعب ، ولا أزهد في جدال ولا أكفّ عن قتال من كتاب .
ودخلت على بعض من مشايخي وقد جلس في حضيره من كتبه وقال : إذا أردت محادثة الحق أحدّث المصحف ، فلا أزال أناجيه ويناجيني ، وإذا أردت محادثة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أخذت كتاب حديث وكذلك كل من أردت مناجاته من الأولين والآخرين ، ثم إني أجالس من لا ينم بمجلسي ولا ينقل حديثي ، ثم أنشدني لبعضهم :
لنا جلساء لا نملّ حديثهم * ألبّاء مأمومون غيبا ومشهدا
إذا ما خلونا كان خير حديثهم * معينا على نفي الهموم مؤيّدا
يفيدوننا من عندهم علم من مضى * وعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا
فلا ريبة تخشى ولا سوء عشرة * ولا تتقي منهم لسانا ولا يدا
فإن قلت أمواتا فلست بكاذب * وإن قلت أحياء فلست مقيدا
وقال لي بعض الأدباء : قال مصعب بن الزبير : إن الناس يتحرفون بأحسن ما يحفظون ، ويحفظون أحسن ما يكتبون ، ويكتبون أحسن ما يسمعون ، فإذا أخذت الأدب