فخذه من أفواه الرجال فإنك لا تسمع إلا مختارا ، ولؤلؤا منثورا .
ولنا فيه شعر :
سميري لا ينام ولا ينمّ * حفيظ للذي يلقى كتوم
وأهدى بعض الكتّاب إلى صديق له دفترا وكتب إليه : هديتي هذه أعزك اللّه ، تزكو على الإنفاق ، وتربو على الكد ، لا يفسدها العوا ، ولا يخلقها كثرة التقليب ، وهي أنس في الليل والنهار ، والسفر والحضر ، تصلح للدنيا والآخرة ، وتؤنس في الخلوة ، وتمنع في الوحدة ، مسامر مساعد ، ومحدّث مطاوع ، ونديم صديق .
قال الجاحظ : لا أعلم ما جاء في حداثة سنّه ، ولا قرب ميلاده ، ورخص ثمنه ، وإمكان وجوده يجمع بين السّير العجيبة ، والعلوم الغريبة ، ومن آثار العقول الصحيحة ، ومحمود الأذهان اللطيفة ، ومن الحكم الرفيعة ، والمذاهب القديمة ، والتجارب الحكيمة ، والأخبار عن القرون الماضية ، والبلاد النازحة ، والأمثال السائرة ، والأمم البائدة ما تجمعه كتاب ، ومن لك بزائر إن شئت كانت زيارته غبّا ، وورده جما ، وإن شئت لزمك لزوم الظل ، وكان منك كمكان بعضك .
شعر :
أما لو أعي كلما أسمع * وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمع * ت لقيل هو العالم المصقع
ولكنّ نفسي إلى كلّ عالم * من العلم تسمعه فتنزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمع * ت ولا أنا من جمعه أشبع
ومن يك في علمه هكذا * يكن دهره القهقرى يرجع
يضيع من المال ما قد جمع * ت وعلمك في الكتب مستودع
إذا لم تكن حافظا واعيا * فجمعك للكتب لا ينفع
قال الزهري : إذا سمعت أدبا فاكتبه ولو في حائط . وقال لقمان لابنه : يا بنيّ ، نافس في طلب العلم ، فإنه ميراث غير مسلوب ، وقرين غير مغلوب .
ورأيت شيخنا أبا عبد اللّه بن القسوم المالكيّ الصالح العالم ، وهو على كبر سنه يشتري ورقا ، فسألته عن ذلك مع شغله بالعبادة ؟ فقال لي : أوصاني شيخي أبو عبد اللّه بن المجاهد فقال لي : إن استطعت أن لا تموت إلا وأنت طالب تكتب العلم والأدب فافعل .
وروينا مثل ذلك عن المأمون قال له منصور بن المهدي : أيحسن بنا طلب العلم