أما وإله العرش ما قلت سيئا * وما كان إلا أنني لك شاكر
فقال علي بن الجهم : فأقبلت تحدثنا ، فإذا عقل كامل ، وجمال فاضل ، وحسن قاتل ، وردف مائل . فقلت لها : قد أقرّ اللّه عينا تراك . فقالت : أقرّ اللّه أعينكم ، وزادكم سرورا وغبطة . ثم اندفعت تغني بنغمة لم أسمع أحسن منها ، وتقول :
أروح بهمّ من هواك مبرّح * أناجي به قلبا كثير التفكّر
عليك سلام لا زيارة بيننا * ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فما زلنا يومنا معها في الفردوس الأعلى . وما ذكرتها بعد إلا أسفت عليها وعلى فراقها .
وروينا من حديث ثور بن معن السلمي ، عن أبيه ، قال : قال : إني دخلت على الخنساء في الجاهلية ، وعليها صدار من شعر ، وهي عريانة . قال : قال أبي : دخلت عليها تجهّرا بيتها ، فكلمتها في طرح الصدار ، فقالت : يا أحمق ، أنا أحسن منك غرسا ، وأطيب منك نفسا ، وأرقّ منك نقلا ، وأكرم منك بعلا .
وقال عبد الرحمن بن مرة عن بعض أشياخه : إن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال للخنساء : ما أقرح مآقي عينيك ؟ قالت : بكائي على السادات من مضر . قال : يا خنساء ، إنهم في النار . قالت : ذاك أطول بعويلي عليهم .
وقيل : إنها أقبلت حاجّة ، فمرّة بالمدينة ومعها ناس من قومها ، فأتوا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فقالوا : هذه الخنساء ، فلو وعظتها يا أمير المؤمنين ، فلقد طال بكاؤها في الجاهلية والإسلام . فقام عمر رضي اللّه عنه ، فأتاها فقال : يا خنساء ، فرفعت رأسها ، فقالت : ما تشاء ؟ قال : ما الذي أقرح عينيك ؟ قالت : البكاء على السادات من مضر . قال : إنهم هلكوا في الجاهلية ، وهم أعضاد اللهب ، وحشو جهنم . قالت : فذاك الذي زادني وجعا . قال : فأنشدني مما قلت ، قالت : أما إني لا أنشدك مما قلت اليوم ، ولكن أنشدك ما قلت الساعة . وقالت :
سقى جدثا أعراق عمره دونه * ويدنيه وعّاث الربيع ووابله
وكنت أعير الدمع قبلك من بكى * على فقد من قد فات والحزن شاغله
وأرعيهم سمعي إذا ذكروا الأسى * وفي الصدر مني زفرة لا تزايله
فقال : دعوها ، فإنها لا تزال حزينة أبدا .
ومما يستحسن الأدباء من شعرها :