تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١

قصة ما جرى لأمير المؤمنين المنصور بمكة مع بعض الفقراء

روينا عن غير واحد أن أبا جعفر المنصور بينما هو طائف بالبيت ليلا إذ سمع قائلا يقول : اللهم إنّا نشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع . فخرج المنصور ، فجلس في ناحية من المسجد ، ثم أرسل إلى الرجل فصلّى ركعتين ، ثم استلم الركن ، وأقبل مع الرسول ، فسلم عليه بالخلافة ، فقال له المنصور : ما الذي سمعتك تذكر ؟ قال : إن أمّنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور كلها من أصولها ، وإلا اقتصرت على نفسي ، ففيها لي شغل شاغل . قال : فأنت آمن على نفسك . فقال : يا أمير المؤمنين ، إن اللّه قد استرعاك أمر عباده وأموالهم ، فجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجر ، وأبوابا من الحديد ، وحراسا معهم السلاح ، ثم سجنت نفسك منهم ، وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعها ، وأمرت أن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان ، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف إليك ، ولا أحد إلا وله في هذه الأموال حق . فلما رآك النفر الذين استخلصتهم لنفسك ، وآثرتهم على رعيتك ، وأمرت أن لا يحجبوا دونك ، تحب الأموال وتجمعها ، قالوا : هذا قد خان اللّه ، فما لنا لا نخونه ؟ فأتمروا أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس إلا ما أحبّوه ، ولا يخرج لك عامل إلا خوّنوه عندك وعابوه حتى تسقط منزلته عندك . فلما انتشر ذلك عنك وعنهم ، أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم . وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ، ليستعينوا بذلك على ظلم رعيتك . ثم فعل ذلك ذوو المقدرة والأموال من رعيّتك ، ليتوصلوا إلى ظلم من دونهم . فامتلأت بلاد اللّه ظلما وبغيا وفسادا ، وصار هؤلاء القوم شركاءك وأنت غافل . فإن جاء متظلم حيل بينك وبينه ، وإن أراد رفع قصته إليك وجدك قد نهيت عن ذلك ، ووقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم ، فإن جاءك ذلك المتظلم وبلغ بطانتك خبره ، سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك . فلا يزال المظلوم يختلف إليه ، ويلوذ به ، ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ، فإذا جهد وخرج ، وظهر إليك وصرخ بين يديك ، ضرب ضربا مبرحا يكون نكالا لغيره ، وأنت تنظر ولا تنكر . فما بقاء الإسلام على هذا ؟ قال : فبكى المنصور بكاء شديدا ، وقال : ويحك ، كيف أحتال لنفسي ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ، ويرضون بهم في دنياهم ، وهم :