تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
وأصببت عليّ الشدائد صبّا صبّا ، ولا أجد مشتكى لشيء غيرك ولا مفرجا لما بي عنّي سواك ، فيا وارث الأرض ومن عليها ، ويا باعث جميع من فيها ورّث أملي فيك منّي أملي ، وبلّغ همتي فيك منتهى وسائلي ، وبالإسناد : وسمعته يقول : إلهي إن أهل معرفتك لما أبصروا العاقبة ، ولمحوا بأبصارهم إلى منتهى العاقبة ، وأيقنوا بجودك وكرمك وابتدائك إيّاهم بنعمتك ، ودللتهم على ما فيه نفعهم دونك إذ كنت متعاليا عن المضار والمنافع استقلّوا كثير ما قدموا من طاعتك ، واستصغروا عظيم ما اقترفوا من عبادتك ، واستلاثوا ما استوعره غيرهم ، بذلوا المجهود في طلب مرضاتك ، واستعظموا صغير التقصير في أداء شكرك ، وإن كان ليس شيء من التقصير في طاعتك ، بذل المجهود صغيرا كان عندهم ، فنحلت لذلك أبدانهم وتغيّرت لذلك ألوانهم ، وخلت من غيرك قلوبهم واشتغلت بذكرك ألسنتهم وعقولهم ، وانصرفت من خلقك إليهم همومهم ، وآنست وطابت بالخلوة فيك نفوسهم ، لا يمشون بين العباد إلّا هونا ، ولا يسعون في طاعتك إلّا ركضا ركضا إلهي ، وكما أكرمتهم بشرف هذه المنازل ومنحتهم رفعة هذه الفضائل ، اعقد قلوبنا بحبل محبتك ثم حولها في ملكوت سمواتك وأرضك ، واستدرجنا إلى أقصى مرادك درجة درجة ، واسلك بنا مسلك أصفيائك منزلة منزلة ، واكشف لنا عن مكنون علمك حجابا حجابا حتى ننتهي إلى رياض الأنس ، ونجتني من رياض الشوق إليك ، ونشرب من حياض معرفتك ، ونتنزّه في بساتين بشر الأيك ، ونستنقع في غدران نعمائك ، ثم ارددها إلينا بطرف الفوائد ، وأمددها بتحف الزوائد ، واجعل العيون منّا فوّارة بالعبرات ،
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 51 | ابن عربي / عبد الحميد صالح حمدان