ابنته بمكة كانت تحضر مجلسنا وكان لها لسان ، واجتمعت بها بالمدينة أيضا ، وأخبرتني بمدينة الموصل في دعوة اجتمعت بها فيها أنها تحمّ « 1 » كتب أبيها ، فحدّثتنا عنه . قال ابن خميس بسنده إلى محمد بن الحسن الجوهري معنعنا . قال دخلت أنا وأبو الفضل على ذي النون فقلت له :
أكرمك اللّه حدّثني بحديث أنتفع به وأذكرك به ، فرفع رأسه فنظر إليّ ساعة ثم قال : وأنت تكتب الحديث ؟ فقلت : ربما فعلت ، ورجوت أنك تحدّثني حديثا في الرّقائق يكون عونا لي على هذا المذهب ، فقال : للحديث رجال ، ولي شغل بنفسي عن الحديث وإن كان الحديث من أركان الدين ولولا نقص دخل علي أهل الحديث والفقه لكانوا أفضل الناس في زمانهم ، ولكن بذلوا علمهم لأهل الدنيا فحجبوهم وتكبّروا عليهم ، وجعلوهم خولا افتتنوا بالدنيا لما رأوا حرص أهل العلم والمتنعمين من القراء على الدنيا والمنزلة عند أهلها ، إذ القوم طلبوا الآخرة وخافوا أنهم لا ينالوها ، وهؤلاء طلبوا الدنيا بعلمهم وموّهوا على الناس ليظنّوا أنهم يطلبون بعلمهم ما عند اللّه فجعلوا العلم فخّا للدنيا ، فما أقبح هذا ، شيء يطلب به الباقي كسبوا به الفاني ، الّلهمّ فلا تجعلنا منهم « 2 » ، ولو أنّهم لزموا باب ربّهم عز وجل لكفاهم وأعزّهم ، ولكنّهم انقطعوا إلى المخلوقين فوكّلهم وأذلّهم ، لو رجوا اللّه لم يرجوا غيره أحدا ، ولو خافوا اللّه لم يخافوا أحدا ، ولو انقطعوا إلى اللّه لم يذلّوا أبدا ، لقد جهلوا بعد علمهم ، وافتقروا بعد غناهم ، وذلّوا بعد عزّهم ، وصاروا عبيدا لأهل الدنيا بعد ما
هامش
( 1 ) أي تحفظها عن ظهر قلب .
( 2 ) انظر الشعراني ، 1 / 61 .