تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
العشب في جنباته إذ سمعت صوتا أهطل مدامعي وهيّج بلابل حزني ، فاتبعت الصّوت حتى وقف لي بباب مغارة في سفح ذلك الوادي ، فإذا الكلام يخرج من جوف المغارة فاطّلعت فيها فإذا أنا برجل من أهل التّعبّد والاجتهاد فسمعته يقول : سبحان من أمرح قلوب المشتاقين في رياض الطاعة بين يديه . سبحان من أوصل الفهم إلى عقول ذوي البصائر فهي لا تعتمد إلّا عليه . سبحان من أورد حياض المودّة نفوس أهل المحبّة فهي لا تحنّ إلّا إليه ، ثم أمسك . فقلت : السّلام عليك يا حليف الأحزان وقرين الأشجان . فقال : وعليك السلام ، ما الذي أوصلك إلى من قد أفرده خوف المساءلة عن الأنام ؟ واشتغل بمحاسبة نفسه عن التّنطع في الكلام ؟ قلت : أوصلني إليك الرغبة في التعمق والاعتبار . فقال : يا فتى إن للّه عز وجلّ عبادا قدح في قلوبهم زند الشّغف نار الومق فأرواحهم لشدّة الاشتياق تسرح في الملكوت ، وتنظر إلى ما ادخر لها في حجب الجبروت . قلت له : صفهم لي ؟ قال : أولئك قوم آووا إلى كنف رحمته ، ثم قال : سيّدي بهم ألحقني ولأعمالهم وفقني . قلت : ألا توصني بوصية ؟ قال : أحبّ اللّه شوقا إلى لقائه ، فإن له يوما يتجلّى فيه لأوليائه . وأنشأ يقول :
قد كان لي دمع فأفنيته * وكان لي جفن فأدميته
وكان لي جسم فأبليته * وكان لي قلب فأضنيته
وكان لي يا سيّدي نظر * أرى به الجوّ فأعميته