ومنهم - رضي اللّه عنهم - عابد صاحب أنس لقيه بجبل المقطم :
أخبرنا بالإسناد عن يوسف بن الحسين يقول : سمعت ذا النون المصري يقول : وصف لي رجل في جبل المقطّم فقصدته فرأيت رجلا متعبّدا فمكثت معه أربعين يوما لا أكلّمه فاستخرت اللّه تعالى يوما في كلامه ، وسألت اللّه تعالى أن يوفّقه لي فقلت : أيّها الشيخ فيما النجاة ؟ فقال :
في التّقوى والمراقبة . فقلت : زدني . فقال : فرّ من الخلق ولا تستأنس بهم .
فقلت : زدني . فقال : إنّ للّه عبادا نظروا إلى باطن الدنيا لمّا نظر الخلق إلى ظاهرها فأتوا منها ما خشوا أن يميتهم إنهم قوم صافوه بالعقول ودققوا له الفطن فسقاهم كأسا من محبّته فهم في عطشهم أروياء ، وفي ربّهم عطاش . قال : فقلت : زدني . قال : إنهم أقوياء في توكّلهم .
ومنهم - رضي اللّه عنهم - عابد موحّد مغربي لقيه ببعض جبال المغرب :
أخبرنا بالإسناد عن محمد بن عبد اللّه القرشي عن ذي الكفل أخي ذي النون قال : سمعت ذا النون يقول : بينا أنا في جبال المغرب إذ وقعت على رجل عابد في رأس جبل فسلّمت عليه فأطرق في الأرض ثم رفع رأسه وقال : وعليكم السلام . قال ذو النون : ما مقامك في هذا المكان ؟
فقال : معي بضيعة قد هربت بها من الأسواق ، وقد جئت بها لأدفنها في هذا المكان . قلت : وما بضاعتك هذه ؟ فقال : عقد توحيدي وخالص ضمير مكنوني . فقلت : لو أنست بالناس . فقال : منهم هربت وقد قصدت إلى من قصد غيري من الرّاجين فوجدوه مؤنسا ثم رفع طرفه نحو السماء وقال :