تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
به « 1 » ، ولا يضافون إلّا إليه ، إذ هم عبيد الاختصاص الذين عبدوا اللّه على الصدق والإخلاص ، فأصبحوا لا يعرفون إلّا به ، ولا يقصدون إلّا من أجله ، وهم الغياث للخلق والقائمون بأمر الحق كما قال ذو النون المصري شعرا :
رجال أطاعوا اللّه في السرّ والجهر * فما شروا اللذات حينا من الدّهر
أناس عليهم رحمة اللّه أنزلت فظلّوا * سكونا في الكهوف وفي القفر
يراعون نجم الليل لا يرقدونه * فباتوا بإدمان التّهجّد والصبر
فأمّا الرحمة التي تنزل عند ذكرهم فهي مشهورة في المواطن ، تظهر آثارها على الظواهر ، وهي تلك الرقّة والانكسار الذي يجده الإنسان من نفسه عندما يقع ذكرهم ، وتسرد أخبارهم وتنص أحوالهم مع اللّه من الانقطاع إليه ، والأنس به والتفرد معه بخروجهم عن الأهل والأوطان ، وملازمتهم السواحل والبراري والشعاب وبطون الأودية والجبال والآكام ، وعزوف أنفسهم الشريفة عن الدنيا وأبنائها ، فتخنّ نفوس السامعين عند ذلك الذكر إلى ربّها ، وتجد حلاوة الانقطاع إليه عندها ، ولذة التفرّد به على بساط الأنس ، فتذرف أعينهم بالبكاء ، وترتاح قلوبهم إلى التحلّي بتلك الأوصاف المقدسة النزيهة رغبة في نيل هذه الأحوال الشريفة التي خصّهم اللّه بها ، وهذا كله من الرحمة المنزلة من اللّه تعالى عند ذكرهم على القلوب ، فمن نزلت الرحمة في ذكر المجلس على نفسه زالت عنده بزوال الذكر ، ومن نزلت الرحمة على قلبه ثبتت
هامش
( 1 ) انظر السيوطي ، الجامع ، الجزء 2 . الحديث رقم 1308 .
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 12 | ابن عربي / عبد الحميد صالح حمدان