رحمته العجاب في لدغ البراغيث وقرص الذّباب . فما نبّه النّائم هو أولى أن ينبّه اليقظان ، فكم هذه السّنة بالانتباه ، وطلب الهداية بالاشتباه ، وكم هذا النّسيان بما يذكر ، والغنى بما يفقر ، والصحّة بما يعلّ ، والعزّ بما يذلّ ، والرّيّ بما يظمي ، والنّظر بما يعمي ، اقلب النّظر قبل أن
يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
« 1 » .
إذا أحببت الخروج من السّجن ، فقد أحببت الدّخول إليه ، وإذا كرهت الموت ، فقد كرهت الحياة ، فياعجباه من عقل مقلوب ، يحبّ المكروه ، ويكره المحبوب .
موعظة :
[ يا هذا ] اخترط لك الحقّ لسانا لا يمرّ بصدع إلا شعبه ، ولا يقرع بابا إلا فتحه ، فأعمله في الدّعاء ، فما كلّ وقت « 2 » تحال على الماء والطّين ، وعليك بصحبة من تخفّ برؤيته عن العالم السّفليّ إلى المحل « 3 » العلويّ ، ويحلو بصحبته الحنظل الحوليّ ، في قرآن تقرؤه ، وتعلم غريبه وإعرابه ، وتأويله وتفصيله ، ومتشابهه وأمّه ، ولا تجد ذرّة إلا تدلّك على صفاء حالك ، وإدراك كمالك ، فعلمك لفظ ، وعملك رفض ، ووعظك خديعة ، وعبادتك عناء ، وكلّك هباء ، فما أسخاك بحياتك ، وأقلّ رحمتك لروحك ، فالرّحيل عن هذه العرصة ، التي قد تجرّعت فيها أنواع الغصّة . أما بك حاجة إليك ، أمالك شفقة عليك ، إلى متى ما تعرف إيّاك ، ولا تحنّ إلى مأواك . أما تدري إلى من تنتسب ؟ أما تعي من هو أوّلك وآخرك ؟ فكم هذا الإنس بالوحشة ، والمقام بالغربة ؟ كم تكذب نفسك وتغضب إن كذبك غيرك ؟
كم تخالف العقل وأنت تحتجّ به على سواك ؟ كم تغرّ بهواك ؟ كم تذلّ لشهوتك ؟
هل لك خبر عنك فيما أريد بك يا مسلوب الإخلاص في العبادة ؟ يا قليل النّشاط في اقتفاء أثر السّادة ؟ إنّما عمرك يوم لم تعص اللّه فيه ، إنّما مطالبك معاطبك ، ومألفك
هامش
( 1 ) سورة الملك : 4 .
( 2 ) ليس في م .
( 3 ) في م « إلى العالم » .