فالطبع يأنف أن يفضى عليه به * والشرع يحكم أني أغرم الأرشا « 1 »
فالحكم مني عليّ لا على أحد * فلست أرجو سواي لا ولا أخشى
فإن تجس ترى لينا وداخله * سمّ قتول كأني الحية الرقشا
هذا خصصت به وحدي وأعن به * نوع الأناسيّ حال البدء والإنشا
قامت على صورة الأسماء نشأتنا * فكلّ ما نحن فيه ربنا أنشا
وما اسرّته في تبليغنا رسل * لأنّ مرسلهم هو الذي أفشى
ولو أسرّ لكان الحال يشهد لي * بأنه هكذا سبحانه قد شا
وقال أيضا :
إذا يضيق بنا أمر ليزعجنا * نصبر فإنّ انتهاء الضيق ينفرج
بذاك خالقنا الرحمن عوّدنا * في كلّ ضيق له قد شاءه فرج
ألا ترى الأرض عن أزهارها انفرجت * كما السماء لها في ذاتها فرج
والكون علو وسفل ليس غيرهما * والأمر بينهما بالنص مندرج
وكلّ شيء من الأكوان نعلمه * موحدا هو في القرآن مزدوج
حتى الوجود الذي إليه مرجعنا * بما له من صفات الكون يزدوج
فليس يوجد فرد ليس يشفعه * شيء سوى من له التقسيم والدرج
ذاك الإله الذي لا شيء يشبهه * من خلقه فبه الإصباح تتبلج
وهو العزيز فلا مثل يعادله * وإنما بمتاب العبد يبتهج
فكيف من هو محتاج ومفتقر * إلى أمور بنا إن لم يكن حرج
فلا يصح على الإطلاق أنّ لنا * حكم الغنى ولهذا فيه يندرج
الحبّ شاهد عدل في قضيتنا * إذا الخلائق فيما قلته مرجوا
هم المصابيح في الظلماء إن ولجوا * كما هم العمى إن زالوا وإن خرجوا
سبحانه وتعالى أن يحيط به * علما عقول لمّا في ذاته دلجوا « 2 »
أما تراها على الأعقاب ناكصة * لما رأت فنيت في ذلك المهج « 3 »
فليس يدرك مجهول حقيقته * وفيه خلف لأقوام لهم حجج
لو أنهم نظروا في حسن صورته * قالوا به قرن قالوا به فلج « 4 »
قالوا بعينيه في إبصاره وطف * قالوا به كحل قالوا به دعج « 5 »
هامش
( 1 ) الأرش : الدية .
( 2 ) دلج : سار من أول الليل .
( 3 ) نكص : أحجم . المهمة : الدم ، أو الروح . الفناء : سقوط الأوصاف المذمومة .
( 4 ) فلج : شقّ .
( 5 ) الوطف : كثرة شعر الحاجبين والعينين . الدّعج : سواد العين مع سعتها .