بل ذاك نور مبين * كنور بدر وشمس
أفصحت فيه لساني * لأنني بين خرس
وقال أيضا :
سأصرف عن آيات كلّ محقق * رجالا أبوا إلا التبجح بالهزل
ولم أر في الآيات مثل كلامه * يلازمه قلبي ملازمة الظل
ولم أشهد الأقوام لكن رأيتهم * سكارى حيارى يطلبون على مثلي
فلما رأوني لم يروا ما تخيّلوا * لأنّ شهود العين ستر على إلّي « 1 »
ولما رأوني لم يروا ما تحققوا * لأنهم في النشىء ليسوا على شكلي
مزاجهم غير الذي قد مزجته * وإنّ مزاجي لم يكن فيه من قبلي
فإني وحيد العصر شهم مقيد * بشرع وتحقيق وذا غاية الفضل
سألت اجتماعا بين عيني وشاهدي * ومن لي بهذا الجمع من لي به من لي
لقد جدت يوما بالقرونة مثلما * تجود به الأمطار في الزمن المحل
أقول بعين الجمع في عين مفرد * تعجبت من جزء له حكمة الكل
كآدم لما أن علمت بذاته * وقد جاء في الأخرى على صورة الإل
وصورة ما في الكون من عالم علا * ومن أنزل فيه إلى غاية السفل
علمت بحالي إن تحققت نشأتي * إذا كان مرآتي بأني من الأهل
فقال لي المطلوب أنت حقيقتي * فأنت من إلى لست واللّه من أهلي « 2 »
فقلت له قل لي الذي قد علمته * من أحوال قلبي في جنابكم قل لي
فقد كان طيفور يقول هوى لكم * وأتبعه فيه أبو بكر الشبلي « 3 »
خلعت عليه من صفاتي ملابسا * ليخلفني فارتاع من ذلك الفضل
ونادى بترجيع وقول مفصل * إلهي ماذا بعد أن جدت بالوصل « 4 »
يكلفني ما لا أطيق احتماله * ولم يدر أني في الأطايب والثقل
وإني من أعطى الوجود كماله * كما أنه أعطى الكثير من القل
وجاد على قوم بريّا ممسك * وجاد على قوم برائحة الزبل
وكلّ له فيه نعيم ورغبة * فما في عطاء اللّه شيء من البخل
هامش
( 1 ) ستر : كل ما يسترك عما يغنيك . وقيل هو غطاء الكون . والإل : اسم للّه تعالى .
( 2 ) الحقيقة : يعني إقامة العبد في محل الوصال إلى اللّه . والحقيقة : التوحيد .
( 3 ) طيفور : هو طيفور بن عيسى البطامي وطريقته طريقة الغلبة والسكر . والشبلي : هو أبو بكر الشبلي بغدادي المولد والمنشأ ، شيخ وقته حالا وعلما وقد صحب الجنيد ومات سنة 334 ه .
( 4 ) الوصل والوصال : الانقطاع عما سوى الحق .