تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ديوان ابن عربي — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
لو أنّ يونس والحيتان تطلبه * يكون من مكة لم يدر ما البحر
لطمنا بالذي أعطت معالمها * من الذي أخبرت بكونه الزهر
فإنّ ربك أوحى أمرها بكذا * فيها وما عندها ذوق ولا خبر
مسخرات بأمر اللّه ليس لها * إلا الشهادة والتسبيح والذكر
بألسن ما لنا فقه بما نطقت * لأنّ حاجبها الحكم والفقر
تثني عليه بطبع فيه قد جبلت * وما لها في الذي تثني به فكر
باللّه عالمة للّه قائمة * في اللّه جاهدة في أمره الأمر
قال الخليل بها سترا محكمة * وحجة للذي أودى به الفكر
وقد أتاها رسول اللّه وهو بها * أدرى وأعلم فهو العالم البحر
وما له في الذي يدريه من حكم * مثل يعادله عبد ولا حر
القل دان له والكثر دان له * فليس يعجزه قلّ ولا كثر
اللّه أعظم أن يحظى به أحد * وكيف يحظى بمن رداؤه الكبر
الكبرياء وما تحصى عوارفه * وليس يدري لها بجهلهم قدر
إنّ العوارف أستار المعارف لا * يدخلك في ذاك إشكال ولا نكر
فعندها العجز عن إحصائها عددا * وعندها أنها النائل النّزر « 1 »
خزائن الجود ما انسدّت مغالقها * لو انتهت لانتهى في العالم الفقر
وفقره دائم لا ينتهي أبدا * كذاك نائله لا ينقضي عمر
الفقر بالذات ذاتيّ لصاحبه * ولو يدوم له من ربّه اليسر
ما قلت إلا الذي قال الإله لنا * فينا ففي كلّ يسر مدرج عسر
إن الإله بلا حد يحدّدنا * مع الزمان لذا كان اسمه الدهر « 2 »
للّه قوم ذوو أعلم مقامهم * الشمس والتين والأحقاف والفجر
هم النجوم التي الأفلاك مركبها * لا بل أقول هم الأحجار والتّبر
حازوا الكمال فلم يظفر بهم أحد * غيري لأنهم الأشفاع والوتر
سكرى حيارى تراهم في محاربهم * وما لهم في سوى مطلوبهم فكر
قد استوى عندهم من ليس يعرفهم * مع العليم بهم والسرّ والجهر
هم الوجود ولكن لا وجود لهم * فليس يحجبهم نفع ولا ضر
لهم من الفلك العلويّ صورته * ومن ثرى الأرض ما يأتي به الزهر
من المطاعم والأنهار شربهم * الماء والعسل النحليّ والخمر
وشربهم لبن يأتي به بقر * هذا شرابهم مما له ذرّ
هامش
( 1 ) النزر : القليل . النائل : العطاء . ( 2 ) الدهر قد يعد في أسماء اللّه تعالى .