سابعها ( التوجّه إلى اللّه ) وهو الخروج عن كل داعية يدعو إلى غير الحق - كما هو بالموت - فلا يبقى له مطلوب ولا محبوب ولا مقصود ولا مقصد ، إلا اللّه . ولو عرضت « 1 » عليه مقامات جميع الأنبياء والمرسلين ، لا يلتفت إليها بالإعراض من اللّه لحظة . قال الجنيد رحمة اللّه عليه : لو أقبل صدّيق على اللّه ألف ألف سنة ، ثم أعرض عنه لحظة ، فما فاته أكثر مما ناله .
ثامنها ( الصبر ) وهو الخروج عن حظوظ النفس بالمجاهدة والمكابدة - كما هو بالموت - والثبات على فطامها عن مألوفاتها ومحبوباتها ، لتزكيتها وخمود شهواتها ، والاستقامة على الطريق المثلى بتصفية القلب وتجلية الروح . قال تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ
« 2 » .
وتاسعها ( المراقبة ) : وهي الخروج عن حوله وقوته - كما هو بالموت - مراقبا لمواهب الحق ، متعرضا لنفحات ألطافه ، معرضا عما سواه ، مستغرقا في بحر هواه ، مشتاقا إلى لقائه . . إليه قلبه ، لديه روحه ، يئنّ « 3 » به عليه ! ويستعين منه ، يستغيث إليه . حتى يفتح اللّه باب الرحمة - لا يمسك لها - يغلق عليه باب عذابه ، لا يفتح له . وتنوّر بنور ساطع من رحمة اللّه ، وعن النفس تزول ظلمة أمّاريّة النفس « 4 » في لحظة ما لا تزول بثلاثين سنة بالمجاهدة والرياضات « 5 » . وهم الأخيار ، بل تبدّل سيئات النفس بحسنات الروح ، لقوله تعالى :
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
« 6 » . وهم الأبرار ، بل تكون حسنات الأبرار سيئات المقربين - بحسنات ألطافه - لقوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
« 7 » . فهذه الزيادة حسنات ألطاف الحق : وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء من عباده « 8 » .
هامش
( 1 ) في الأصل : عرض .
( 2 ) سورة السجدة ، آية 24 .
( 3 ) في الأصل : يأن .
( 4 ) الإشارة إلى « النفس الأمارة » .
( 5 ) في هامش المخطوطة : قال اللّه تعالى : إلا من رحم ربى .
( 6 ) سورة الفرقان ، آية 70 .
( 7 ) سورة يونس ، آية 26 .
( 8 ) الآية :ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ . .سورة المائدة / 54 .