في أي شئ تروض نفسك ؟ قال : أروض نفسي في مقام التوكل منذ ثلاثين « 1 » سنة ! فقال : أفنيت عمرك في عمارة الباطن ، فأين أنت من الفناء في اللّه .
وثالثها : طريق السائرين إلى اللّه والطاهرين باللّه ، وهو طريق الشّطّار من أهل المحبة ، السالكين بالجذبة ؛ فالواصلون منهم في البدايات أكثر من غيرهم في النهايات . فهذا الطريق المختار مبنىّ على الموت بالإرادات - كما قال النبي عليه السلام : « موتوا قبل أن تموتوا » « 2 » - وهي محصورة في عشرة أصول :
أولها ( التوبة ) : وهي الرجوع إلى اللّه بالإرادة ، كما أن الموت رجوع بغير الإرادة ، لقوله تعالى :
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ . .
« 3 » وهي الخروج من الذنوب كلها ؛ والذنب : ما يحجبك عن اللّه ، من مراتب الدنيا والآخرة . فالواجب على الطالب ، الخروج « 4 » من كل مطلوب سوى اللّه ؛ كما قيل : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب « 5 » .
وثانيها ( الزهد في الدنيا ) : وهو الخروج من متاعها وشهواتها ، قليلها وكثيرها ، مالها وجاهها ؛ كما أن الموت يخرج منها . وحقيقة الزهد : أن يزهد في الدنيا والآخرة ، قال النبي عليه السلام : الدنيا حرام على أهل الآخرة ، والآخرة حرام على أهل الدنيا . . وهما حرامان على أهل اللّه .
وثالثها ( التوكل على اللّه ) : وهو الخروج من الأسباب والتسبّب « 6 » بالكلية ، تقة باللّه ، كما هو بالموت . قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
« 7 » .
ورابعها ( القناعة ) : وهي الخروج من الشهوات النفسانية والتمتّعات
هامش
( 1 ) في الأصل : ثلثين .
( 2 ) حديث مشهور يعتمد عليه الصوفية كثيرا في قولهم بإماتة شهوات النفس ورغباتها .
( 3 ) سورة الفجر ، آية 28 .
( 4 ) في هامش المخطوطة : فالواجب على الكاتب يخرج !
( 5 ) هو شطر بيت شعري ( من بحر الطويل ) .
( 6 ) أي الاكتساب .
( 7 ) سورة الطلاق ، آية 3 .