أما ترون النار كيف جعل بها نعيم الانتفاع ، وإضاءة الإشراق ، وظلمة الدخان ، وعذاب الإحراق ، فالعارف من فضّل حقائق الحكمة ، ورأى بهجة النور في الظلمة ، فكان لغلبة نوره لديه ، وعظيم ظهوره عليه لا تذكّيه النار ؛ لأن في جسده سلطان الأنوار .
بل تقول : يا مؤمن جز بي فقد أطفأ نورك لهبي ، ومن قوي عليه رفع هذا الحجاب ، فهم منها ما كان للكليم وقت الخطاب .
تكفي اللبيب إشارة مرموزة * وسواه يدعى بالنداء العالي
شاهد : ليس المخصوص العارف من شاركه العوام في المعارف ، ولا من فهمت أسراره وتراءت الأبصار أنواره ، بل من ينطوي في الانتشار ، ويخفي بظهور الأنوار .
تسترت عن دهري بظلّ جناحه * فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت * وأين مكاني ما عرفن مكاني
انتهى المراد من قوانين حكم الإشراق .
وقال سيدي مصطفى البكري : المعرفة ثلاثة أقسام : معرفة عوام ، وخواص ، وخواص الخواص .
فالأولى : معرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حقه تعالى ، وكذلك في حق رسله ، وهذه واجبة على كل مكلف ؛ لئلا يشتبّه عليه الحال فيقع في الخيال ، وليسلم من ورطة التقليد في التوحيد .
قال صاحب الجوهرة : إذ كل من قلد في التوحيد إيمانه لم يخل عن ترديد ،