وإن شئت قلت : المحبة نور يضطر به صاحبه إلى طلب المراد المحبوب « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الشيخ القونوي : للمحبة أسباب شتّى ، وموجبات متعددة .
منها : ما هو نتيجة عن مناسبة واقعة بين بعض صفات المحب والمحبوب ؛ يتحدان من حيث تلك الصفة ، وإن تفاوتت حظوظهما .
منها : لاستحالة ظهور حكم صفة ما في موجودين أو شخصين على السوية ؛ بل لا بد من حصول التفاوت ؛ لتفاوت استعدادات الماهيات الغير المجعولة المقتضية لقبول الوجود الواحد الشامل جميعها على الأنحاء المختلفة بصور حصص متنوعة .
ولهذا تعذّر وجدان المثلية بين اثنين من جميع الوجوه ذاتا وصفة وحالا ، بل غاية ذلك الشبه من بعض الوجوه .
ثم نقول ؛ وقد تكون المحبّة الحاصلة بين اثنين نتيجة اشتراك ، ومناسبة في بعض الأفعال ، أو في بعض الأحوال ، أو في المرتبة ؛ كالاشتراك في النبوّة ، والولاية ، والخلافة ، والعلم باللّه أو بما شاء اللّه من حيث الذات .
والمراد من قولنا : من حيث الذات أن العلم عندنا قد يكون ذاتيّا ؛ فلا يدخل في قسم الصفات ، فلو لم يذكر القيد المنبّه عليه لظنّ أن ذكر العلم تكرار ، فإنه داخل في قسم الصفات .
وإذا تقرر هذا فنقول : المحبة حقيقة كلية مشتركة الحكم بين الرتبة الإلهية والكونية ، فمناسبتها ثابتة بين الحق والخلق ، فتصحّ نسبتها إلى الحق من وجه وباعتبار ، وإلى الخلق أيضا كذلك ؛ بموجب حكم المناسبة التي سنزيد في بيانها إن شاء اللّه ، ليس من حيث ما يتوهمّه المحجوبون من أن الحق يحب عباده من حيث مغايرتهم إيّاه أو فيهم من يحبه من كونه خلقا وسوى ؛ ويغترون بما يفهمونه من قوله عزّ وجل :يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ[ المائدة : 54 ] ، وبقوله :يُحِبُّ الصَّابِرِينَ[ البقرة : 195 ] ، ويُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[ آل عمران : 46 ] ونحو ذلك .
هذا عندنا من المستحيلات ، فإنه من المحال في مشرب التحقيق أن يحب شيء ما سواه من حيث ما يغايره إلا بموجب حكم معنى مشترك بينهما ، من حيث ذلك المعنى ثبت بينهما مناسبة تقضي بغلبة حكم ما به الاتحاد على حكم ما به الامتياز والمباينة .
فبحكم العلم بتلك المناسبة أو الشعور بها على العالم ، أو الشاعر أن يطلب رفع أحكام المباينة بالكلية ، وظهور سلطنة ما به الاتحاد ؛ لتصح الوصلة التامة ، وتظهر سلطنة الواحد الأحد ، فلا جائز أن يحب الحق الخلق أو الخلق الحق .
وإنما ثم أسرار آخر ذاتية ، وصفاتية ، وفعلية ، وحالية ، ومرتبية من حيث هي تثبت المناسبة فتحصل المحبة ، غير ذلك لا يجوز .