باب صفة الوجد والوجود
قال الجنيد رحمه اللّه منشدا :
وجودي أن أغيب عن الوجود * بما يبدو عليّ من الشهود « 1 »
اعلم أن الوجود في اللغة هو وجود الضالة تقول : وجدت ما فقدت أجد وجودا « 2 » .
وأما الوجد بفتح الواو وسكون الجيم هو الحزن على شيء ، أو خوف من شيء ، تقول : وجدت وجدا أي حزنت حزنا ، وحفت خوفا « 3 » .
اعلم أن الصوفية لا يسمون كل حزن وخوف وجدا ما لم يكن في الدين غير أن الدنيا وإلا تحرك الواجد في نفسه فإذا كان خوفا ، أو حزنا في الدين وحركه
هامش
( 1 ) وعقب الشيخ ابن عجيبة بقوله : فالفناء عن النفس وزوالها أصعب من الفناء عن الكون وهدمه ، فمهما زالت النفس وهدمت انهدم الكون ، ولم يبق له أثر ، وقد يهدم الكون وتبقى في النفس بقية . وانظر :
إيقاظ الهمم ( ص 67 ) .
( 2 ) الوجود : وجدان الحق في الوجد ، فإن المشهود في الوجد هو ما صادف بغتة ، وما صادف بغتة إن لم يكن وجود الحق لا يفنيك عن شهودك نفسك وشهود الكون ، إذ من شأن القديم أن يمحو الحادث عند اقترانه به ، لا شأن غيره ، ولكن وجود الحق في الوجد غير معلوم ؛ إذ ما يقع به المصادفة قد يكون على حكم ما عينه السماع المطلق أو المقيد فلا ينضبط ؛ فإنه :كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[ الرحمن : 29 ] ، ولذلك قال قدّس سرّه : إذا رأيتم من يقدر الوجد على حكم ما عينه السماع المطلق أو المقيد فما عنده خبر بصورة الوجد ، فإنما هو صاحب قياس في الطريق ، وطريق اللّه تعالى لا يدرك بالقياس ؛ فإنه :كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[ الرحمن : 29 ] ، وإن كل نفس في استعداد .
فوجود الحق في الوجود إنما يختلف عند الواجد بحكم الأسماء الإلهية ، وبحكم الاستعدادت الكونية في كل نفس إلى لا غاية .
( 3 ) الوجد : ما يصادف القلب من الأحوال المعينة ، أي : الأحوال التي تأخذه عن شهوده نفسه ، ومن شهو الحاضرين ، وما يلاقيه من الكون ، ويفجأ القلب بالوصف المذكور ، وهو وجد صحيح ، وعلامة صحته أنه فائدة ومزيد علم ذوقي ، وإلا فالغيبة فيه توأم القلب باستيلاء أبخرة طبيعية .