في هذا الحديث الشريف ، من مكارم الأخلاق ، ما يصعد همّة العارف إلى حضرة ربه ، فإن أسّ المعرفة باللّه : مكارم الأخلاق ، وأما سوء الأخلاق ، فهو والعياذ باللّه من انحجاب السر عن اللّه تعالى .
أي بني ! اعلم أن أعظم مصائب السر ، حجابه عن اللّه تعالى ، فكل من حلّت به هذه المصيبة ، فقد تلاشت سائر مصائبه في جنبها ، فإنّ المحب سكران ، والسكران لا يجد حالة سكره وجع المصيبة ، فإذا أفاق وجد الألم .
ومصيبة المحجوب عن اللّه لا تنجبر أبدا ، إلا بتجريد السر عن كل ما دون اللّه تعالى .
ولا وعيد في القرآن أصعب من قوله تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ المطفّفين : 14 ] .
فكم من طاعة حجبت صاحبها عن المطاع ؟ .
وكم من نعمة قطعت صاحبها عن المنعم .
وربّ نائم رزق الانتباه بعد رقدته ، ومنتبه نام بعد طول الانتباه ! .
وربّ فاجر رزق الولاية ، وبلغ منازل الأبرار ! وزاهد سقط من ولايته ، وسلك مسالك الفجار ! .
الحجاب عقوبة البعد عن اللّه :
وكم من عامل قد حجبته رؤية أعماله ، عن رؤية امتنان ربه ، حتى عمي بصره ، فصار مبعدا ، وهو يحسب أنه واصل ؟ ولا مصيبة أشد على العارف من الحجاب ، ولو طرفة عين ، وأعظم عقوبة على العبد من اللّه : البعد والحجاب .
وحكي أن رجلا من العباد قال : إلهي ! إلى كم أعصيك ولا تعاقبني ؟ ! .
فأوحى اللّه إلى نبي ذلك الزمان : قل له : إلى كم أعاقبك وأنت لا تدري ؟ ! ألم أحجبك عن لطائف أنسي ! ألم أخرج عن قلبك حلاوة مناجاتي ! .
وقال أبو موسى - خادم أبي يزيد - رحمهما اللّه تعالى : دخل الشيخ مدينة ، فتبعه خلق كثير ، فلما نظر أبو يزيد إليهم وإلى ازدحامهم نحوه ، قال :
اللهم إني أعوذ بك أن تحجبني عنك بهم ، وأعوذ بك أن تحجبهم عنك بي .
* رحمه اللّه ما أكثر إنصافه ! ما أصدقه بربه ، ما أشفقه على إخوانه المسلمين ، أراد لهم الخير وصحة النظر ، كما أراد لنفسه .