وكل هذه الخصال ، خصال العارفين ، الذين انقطعوا عن كل الهموم الدنيوية والأخروية ، وصار همهم ربهم ، ومن كان همه ربه ، فلا همّ له .
قال يحيى بن معاذ - رحمه اللّه تعالى - في مناجاته : إلهي ! إن عرفتك ، فأنت الذي قد هديتني ، وإن طلبتك ، فأنت الذي أردتني ، وإن أجبتك ، فأنت الذي اخترتني ، وإن أطعتك ، فأنت الذي وفقتني ، وإن أنبت إليك ، فأنت الذي آويتني .
وإن اللّه تعالى لا يكل العارفين إلى أنفسهم ولا إلى طاعاتهم ، ولا إلى ذكرهم ، بفضله ورحمته ، بل يكلؤهم بأكاليل شفقته ، ويمطر عليهم أمطار رحمته ، من سحائب فضله وعنايته .
وروي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال : يا رب ! كيف لي أن أؤدي شكر نعمك ، ولك عليّ في كل شعرة نعمتان ؟ .
فقال له : يا موسى ! إذا عرفت أنك عاجز عن شكري ، فقد شكرتني .
وقيل : إن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام : أشكر نعمتي عليك .
فقال : إلهي ! وكيف لي أن أشكرك ، وشكري لك على النعم أعظم نعمة عليّ ؟ .
فأوحى اللّه تعالى إليه : إذا علمت ذلك ، فأنت أشكر العباد لي .
وقال محمد بن السماك رحمه اللّه تعالى : أذكر من كان ذكره لك قبل ذكرك ، وحبه قبل حبك ، وما ذكرته إلّا بذكره لك ، وما أحببته إلّا بحبه لك .
وقال أبو بكر الواسطي رحمه اللّه تعالى : من نسي ذكر اللّه تعالى كان مستدرجا .
* واعلم أن أدنى أوصاف العارف ، عيش القلب مع اللّه بلا علاقة ، وذلك من ذكر اللّه إياه ، وذلك بيّن في قول اللّه تعالى :
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ العنكبوت : 45 ] وقيل في قوله تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبإ : 13 ] أي القليل من يرى منّتي عليه ، عند شكره لي ! .
وروي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال :
إلهي ! كيف استطاع آدم أن يشكر نعمتك عليه ؟ إذ خلقته بيديك ، ونفخت فيه من روحك ، وأسكنته جنتك ، وأمرت الملائكة فسجدوا له .
فقال اللّه : يا موسى ! علم آدم أنّ ذلك مني ، فحمدني عليه .