واعلم أن مثل القلب كالقصر ، والمعرفة فيه كالسلطان ، والعقل أمير على الأركان ، له تبع وأعوان ، واللسان كالترجمان ، والسر من خزائن الرحمن ، ولا بد لكل واحد منها من الاستقامة في مواضعه ، ودوران كلها على استقامة السر مع الحق .
فإذا استقام السر استقامت المعرفة ، فيستقيم العقل .
وإذا استقام العقل استقام القلب .
وإذا استقام القلب ، استقامت النفس .
وإذا استقامت النفس . استقامت الأحوال .
فالسر منوّر بنور الجمال والجلال .
والعقل منوّر بنور اليقظة والاعتبار .
والقلب منوّر بنور الخشية والأفكار .
والنفس منوّرة بنور الرياضة والانزجار .
فالسر بحر من بحور العطايا ، وأمواج الهمّة فيه لا يحصى عددها ، ولا ينقطع مددها .
وإن استقامة السر مع الحق ، هي الدوام على بساط المشاهدة ، مع فقد رؤية الاستقامة .
واعلم أن صراط الاستقامة : السرادق ، من صراط الآخرة ؛ والمرور على جسرها ، أصعب من المرور على جسر الآخرة ؛ وإن عالم الأسرار غيور ، لا يحب أن يكون في قلب العبد حب أو ذكر لغيره .
لا يريدون من اللّه إلا اللّه :
قال اللّه تعالى في بعض كتبه : إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي ، جعلت لذته وهمته في محبتي ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه .
ودخل رجل على سري السقطي رضي اللّه عنه ، فقال له :
أي شيء أقرب إلى اللّه ، ليتقرب به العبد إلى اللّه ؟ فبكى السري ، فقال : أمثلك يسأل عن هذا ؟ إن أفضل ما يتقرّب به العبد إلى اللّه سبحانه ، أن يطّلع اللّه على قلبك ، وأنت لا تريد من الدارين غيره ! .