قال عبد الواحد بن زيد : بينما أنا وأيوب السختياني - رحمهما اللّه تعالى - نسير في طريق الشام ، فإذا نحن بأسود أقبل إلينا ، يحمل كارة حطب ، فقلت : يا أسود ! من ربّك ؟ .
قال : ألمثلي تقول هذا ؟ ! فرفع رأسه إلى السماء ، وقال : إلهي ! حوّل هذا الحطب ذهبا ، فإذا هو ذهب ! ثم قال : أرأيتم هذا ؟ قلنا : نعم ، قال : اللهم ردّه حطبا ، فصار كما كان أولا ، ثم قال : سلوا ، فإن العارفين لا تفنى عجائبهم .
فقال أيوب : بقيت خجلا من العبد ، واستحييت منه حياء ما استحييت مثله قبل ذلك من أحد قط ، ثم قلت : أمعك شيء من الطعام ؟ .
قال : فأشار ، فإذا بين أيدينا جام فيه عسل ، أشد بياضا من الثلج ، وأطيب ريحا من المسك ، قال : كلوا ، فو اللّه الذي لا إله إلا هو ، ليس هذا من بطن النحل ؛ فأكلنا فما رأينا شيئا أحلى منه ، فتعجبنا ! .
فقال : ليس بعارف من تعجب من الآيات ، ومن تعجب فهو بعيد من اللّه ، ومن عبده على رؤية الآيات فهو جاهل باللّه . رحم اللّه ذلك الأسود ، ما أعرفه باللّه ؟ ! .
- وقد كنت حاجّا وأردت التلبية ، فأخذت منديلا لي فغسلته ، وقطعته نصفين ، ثم اتّزرت بنصف ، وارتديت بنصف آخر لحاجة ، فإذا بهاتف يهتف :
انظر ما بين يديك ! فنظرت فإذا البادية فضة كلها ، فغمضت عينيّ ومضيت ، وقلت : اللهم إني أعوذ بك من كل إرادة سواك .
- وحكي أن رجلا من العارفين فرغ من أعمال الحج وأركانه ، ثم أخذ يحرم مرة أخرى ، وقال : لبيك اللهمّ لبيك ، فقيل له : يا هذا ! إن وقت الحج والتلبية قد مضى ، فقال : قد أحرمت من الوطن إلى زيارة البيت : والآن أحرمت من البيت إلى صاحب البيت ، فقيل : هنيئا لمن أحرم عن غيره .
- وحكي أن هرم بن حيان رحمه اللّه ، قال : كنت أسير على شاطىء الدجلة ، فإذا أنا برجل أقبل إليّ وعليه سيما العارفين ، فسلّمت عليه ، فقلت له : كيف حالك وشأنك ؟ فقال :
سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
[ الإسراء : 108 ] يا هرم بن حيان ! اشتغل بما يعنيك ، فقلت : رحمك اللّه ! من أين عرفت اسمي واسم أبي ؟ وما رأيتك قبل اليوم ! .
فقال : أما عرفت أن العارفين يتعارف بعضهم بعضا بنور المعرفة .
قال : فتعجبت من حسن فصاحته ، وتحيرت من هيبته .