لربه ، وعلامته : أن يكون مستغنيا بالمعطي عن العطاء ، وبالمكوّن عن الكون ، مستغرقا في بحار سرور وجدانه ، ساكنا بقلبه معه ، مع ترك كل اختيار لنفسه ، ولا يجزع عند الشدائد والبلوى لرؤيته ، ويعلم أن اللّه تعالى أقرب إليه من كل شيء ، وأرحم عليه من كل أحد ، وأعز وأكبر من كل شيء ، وأن لكل شيء خلفا ما خلا اللّه تعالى .
لكلّ شيء عدمته خلف * وما لفقد الحبيب من خلف
وإنما يعرف العارف ، إذا ميّز الخواطر النفسية من الخواطر الروحية ، والإرادة الدنياوية من الأخروية ، والهمم العلوية من السفلية ، فمن رزق التوفيق على حفظ حدود صدق وفاء العبودية ، والقيام بشروطها ، ووجدان السبيل إلى طريق حفظ تحقيقها ، ثم قام بذكره ، وذكر ذكره ، ثم شكره ، وشكر شكره ، فيصير مع النفس بلا نفس ، ومع الروح بلا روح ، ومع الخلق بلا خلق .
قلوب معلّقة باللّه :
كما قال الإمام ابن عباس رضي اللّه عنهما : بلغنا أن عيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام ، بينما كانا يسيران في بعض الطرق ، فصدم يحيى امرأة ، فقال له عيسى : يا ابن خالتي ! لقد أصبت اليوم ذنبا عظيما ، قال : وما هو ؟ قال : امرأة صدمتها . قال يحيى : واللّه ما شعرت بها . فقال عيسى : سبحان اللّه ، نفسك معي ! فأين قلبك وروحك ؟ فقال : عند اللّه ، يا عيسى ! لو سكن قلبي إلى جبريل ، أو إلى أحد غير اللّه طرفة عين ، لظننت أني ما عرفت اللّه حق معرفته .
معنى المعرفة :
وقيل : المعرفة خمسة أحرف ، فمن وجد في نفسه معناها فليعلم أنه من أهلها :
بالميم : ملك نفسه ؛ وبالعين : عبد اللّه على صدق الوفاء ؛ وبالرّاء : رغب إلى اللّه بالكلية ؛ وبالفاء : فوّض أمره إلى اللّه ؛ وبالهاء : هرب من كل ما دون اللّه إلى اللّه .
فكل عارف يملك نفسه بقدر معرفته بكبريائه تعالى وعظمته ، ويعبد ربّه على قدر معرفته بربوبيته ، ويرغب إليه على قدر معرفته بفضله وامتنانه ، ويفوّض أمره إليه على قدر معرفته بقدرته ، ويهرب إليه على قدر معرفته بملكه وسلطانه ، فهو عارف « 1 » .
* * *
هامش
( 1 ) انظر في شرح الحديث : جامع العلوم والحكم لابن رجب ( ص 333 ) ، وأمثال الحديث للرامهرمزي ( ص 104 ) ، والبيان والتعريف ( ص 300 ) ، والفتح ( 5 / 98 ) ، ( 6 / 547 ) ، وعون المعبود ( 9 / 59 ) ، وشرح النووي على مسلم ( 16 / 137 ) ، وفيض القدير ( 6 / 136 ، 326 ) .