وقال ذو النون رضي اللّه عنه : بينما أنا أسير ، فإذا أنا بقرية والناس يصيحون ، فدنوت فإذا أسود يسخرون به ! فرفع رأسه إليّ وقال : يا ذا النون ! اعرف قدر اللّه ، ولا تمنّ على اللّه ، فإن الحبيب لا يمنّ على الحبيب .
فسألت عن حاله ؟ قيل : إنه مجنون ، لا يجالس الناس ، ولا يأكل في أربعين يوما إلّا أكلة واحدة ، ثم نظر إلى السماء وقال :
يا غاية همم العارفين ! إن عرفتك فبمواهبك ، وإن شكرتك فبعصمتك .
الله معهم أينما كانوا :
وقال ذو النون - رحمه اللّه تعالى - أيضا : بينما أنا أسير على شاطىء النيل ، فإذا أنا بجارية منطلقة في النيل ، وقد اضطربت أمواجه ، وتقول : إلهي ! ترى ما تفعل بي ؟ .
فقلت : يا جارية ! أتشكين منه ، وهو صاحب كل بر وفاجر ! .
فقالت : يا ذا النون ! أنت الذي إذا شكرت شكرت منه ، وإذا سخطت سخطت عليه .
قلت : يا جارية ! من أين عرفت اسمي وما رأيتني ؟ .
فقالت : عرفتك بنور معرفة الجبار .
فقلت لها : أتجدين وحشة للوحدة ؟ .
قالت : لا ، والذي نوّر قلبي بنور معرفته ، ما سكن قلبي قط إلى غيره ، فإنه مؤنس الأبرار في الخلوات ، وصاحب الغرباء في الفلوات .
وقال جد والدتي العارف الواسطي رحمه اللّه : بينما أنا أمشي في البادية ، إذ أعرابيّ جالس منفردا ، فدنوت منه وسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام ، وأبى أن أكلّمه .
فقال : اشتغل بذكر اللّه ، فإن ذكر اللّه شفاء القلوب .
ثم قال : كيف يتفرغ ابن آدم من ذكره وخدمته ، والموت في إثره ، واللّه ناظر إليه ؟ ! ثم بكى ، وبكيت معه .
فقلت له : ما لي أراك فريدا وحيدا ؟ ! .
قال : ما أنا بوحيد واللّه معي ، وما أنا بفريد واللّه مؤانسي ، ثم قام ومضى مسرعا ، وهو يقول : سيدي ! أكثر خلقك مشغولون عنك بغيرك ! وأنت عوض عن