وإبراهيم كان في مقام من مقامات الستر حين قال
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] طلب مقام التجلي للبصر حتى يشهد سر الحياة وسريان السر في الأموات الذين فارقتهم الحياة فأمر بذبح أربعة من الطير وأن يجعل على كل جبل منهن جزء وعامله بضد قصده فلم يشهده سريان السر وكيفية الإحياء وإنما أشهده السعي بعد الموت
ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً
[ البقرة : 260 ] وقد كان للطير بقية آجال فأعادهن لاستيفاء ما بقي من تلك الآجال . ولما أن كان الأموات قد استوفوا آجالهم لم يأمره أن يدعوا أربعة من الأموات فيقومون وفي هذا أيضا معاملة بضد القصد . إن إبراهيم إنما طلب أن يريه اللّه كيفية إحياء من مات وفات فإنه المتبادر في المنطوق ويدل لذلك أيضا قوله
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ
[ البقرة : 260 ] أي بالبعث فإني أعيدهم كما بدأتهم
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
[ الأنبياء : 104 ] أي نفعل ما نعد به وذلك من عادتنا فالتجر في الطلب ربما يكون سببا في ضد ما يقصده القاصد « فإذا سألتم فاسألوا اللّه العافية وإذا سألتم فاسألوا اللّه الفردوس الأعلى » « 1 » فطلب الفتح بتجلي العافية من أعظم الطلب فإن العافية من جملتها عدم الستر والتغطية على السر فإن الرسول صلى اللّه عليه وسلم إنما دلّ على طلب العافية من كل وجه لا من وجه واحد وأوجه فإن العبد لا يخلو من وجه من وجوه العافية أو أوجه ولذلك قال : « وإذا سألتم فاسألوا اللّه الفردوس الأعلى » .
يونس لما كان في ظلمات البحر وبطن الحوت وذلك ستر طلب التجلي والكشف
فَنادى
[ الأنبياء : 87 ] أي ربه
فِي الظُّلُماتِ
[ الأنبياء : 87 ] أي في ذلك الستر
أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ
[ الأنبياء : 87 ] أي فما لأحد حق في العبودية معك
سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
[ الأنبياء : 87 ] أي بطلب الستر فإنه وعد قومه بالهلاك ونزول العذاب وذلك يدل على أنه كان طالبا لذلك من اللّه وإخراجهم من الوجود على نعت الجحود ستر وإن ستر فلم يطعه اللّه في قومه بل جعله إرسال العذاب فتحا لأبواب أسرارهم فآمنوا لما رأوا منادي العذاب واستغاثوا واعتذروا فكشف عنهم بما كان فيه تسترهم وهلاكهم
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
[ الأنبياء :
88 ] أي من شر الظلمات ومن كان في نفسه من الألم والحزن وكانت له فتوحات كثيرة ومنها إن عاد إلى قومه فوجدهم على الكشف والتجلي الرحماني في دائرة الغفور والتوّاب والمعافي والكافي والودود والرؤوف والمحسن .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 11034 ) .