« إنّ الرّحم شجنة ( وهي القرابة المتشابكة ) من الرّحمن ، تقول : يا ربّ ! إنّي قطعت ، يا ربّ ! إنّي أسيء إليّ ، يا ربّ ! إنّي ظلمت ، يا ربّ ! فيجيبها : ألا ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ » « 1 » .
فالحديث الأول أفاد : أن اللّه يسعف نبيه صلى اللّه عليه وسلم حتى يقوّم العوجاء ، بكلمة : لا إله إلا اللّه .
والحديث الثاني أفاد : أن الرحم من أشعة نور الرحمن ، من وصلها اتصل ، ومن قطعها انقطع .
والجمع بين السرين في الحديثين ، هو فتح القلب والعين والأذن بالتوحيد الخالص ، وإيصال القلب بالرحمن ، بحبل الرحمة والشفقة على الخلق ، وبهذا تعين الأقرب فالأقرب ، يفهم ذلك العارف ، فكلمة التوحيد تفيد : الإيمان باللّه ، وصلة الرحم تفيد : التخلق بخلق اللّه ، وهو الرحمن ، وإليه المرجع في المبطن والعيان ، وبه المستعان ، وعليه التكلان ، وما ذلك إلّا لإعظام أمر اللّه ، وهو من إعظام اللّه .
قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : اعرف حرمة من لا تعرف الفضل إلّا منه ، ولا ترجو الراحة إلّا منه ، واستحي منه حق الحياء ، واذكر امتنانه إذ خلقك ولم تك شيئا ، وزينك بنور المعرفة ، حتى كأنك لم تزل تعرفه ، ولولا فضله ورحمته عليك ، كيف كنت تعرفه بأنه مولاك ، من غير أن تراه بعينك ؟ .
ثم طهّر سرك وضمائرك ، من الشك والشبهة والنفاق ، وألبسك من أحسن لباسه ، وتوّجك بتاجه بلا سؤال ، ثم دعاك إلى دار السلام .
ويقال : لا يزال المؤمن عظيما ، ما أعظم اللّه ، وعظّم أمره ، وعظّم أولياءه ، وعرف قدرهم وحرمتهم .
وحكي أن رجلا من ملوك الدنيا ، قال لشقيق البلخي : سل حاجتك ! .
قال : إني لأستحيي من ربي أن أسألك ، ومولاي ناظر إليّ يقول : سل حاجتك بلا حشمة ، حتى أرضى عنك ، ولا تسأل غيري فأمقتك ! .
ودخل على رابعة البصرية جماعة من الزهاد ، وفيهم سفيان الثوري ، فرأوا لها حالة رثة ! .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2232 ) ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 330 ) ، والترمذي ( 4 / 323 ) ، وأحمد ( 1 / 190 ) ، ( 1 / 321 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ( 1 / 33 ، 34 ، 36 ) .