وأمّا الشّكر بالجوارح : فبأن تحرّكها وتستعملها في طاعة اللّه عزّ وجلّ دون غيره من الخلق ، فلا تجيب أحدا من الخلق ، فيما فيه « 1 » إعراض عن ( اللّه تعالى ، وهذا يعمّ النّفس والهوى والإرادة والأماني وسائر ) الخليقة ، كجعل طاعة اللّه أصلا ومتبوعا وإماما وما سواها فرعا وتابعا ومأمونا ، فإن فعلت غير ذلك كنت جائرا ظالما حاكما بغير حكم اللّه عزّ وجلّ الموضوع لعباده المؤمنين ، وسالكا غير سبيل الصّالحين ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
[ المائدة : 44 ] . وفي آية أخرى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[ المائدة : 45 ] . وفي أخرى :
هُمُ الْفاسِقُونَ *
[ المائدة :
47 ] .
فيكون انتهاؤك إلى النّار الّتي وقودها النّاس والحجارة « 2 » ، وأنت لا تصبر على حمّى ساعة في الدّنيا وأقلّ بصّة « 3 » وشرارة من النّار فيها ، فكيف صبرك على الخلود في الهاوية مع أهلها ؟ .
النّجا النّجا ، والوحا الوحا ، اللّه اللّه ، احفظ الحالتين وشروطهما ، فإنّك لا تخلو في جميع عمرك من أحدهما « 4 » : إمّا البليّة ، وإمّا النّعمة ، فأعط كلّ حالة حظّها وحقّها من الصّبر والشّكر على ما بيّنت لك ، فلا تشكونّ في حالة البليّة إلى أحد من خلق اللّه ، ولا تظهرنّ الضّجر لأحد ولا تتّهمنّ ربّك في باطنك .
ولا تشكّنّ في حكمته واختر الأصلح لك في دنياك وآخرتك ، فلا تذهبنّ بهمّتك إلى أحد من خلقه في معافاتك فذاك إشراك منك به عزّ وجلّ ، لا يملك معه عزّ وجلّ في ملكه أحد شيئا لا ضارّ ولا نافع ولا دافع ، ولا جالب ولا مسقم ولا مبليّ « 5 » ، ولا معاف ولا مبرىء
هامش
( 1 ) في المطبوع : ( منه ) .
( 2 ) قال اللّه تعالى :فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ( 24 ) [ البقرة : 24 ] . وقال تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ( 6 ) [ التحريم : 6 ] .
( 3 ) في المطبوع : ( بسطة ) .
( 4 ) في المطبوع : ( أحديهما ) .
( 5 ) في نسخة : ( مبل ) .