المقالة التّاسعة والخمسون في الرّضا على البليّة والشّكر على النّعمة
لا تخلو حالتك : إمّا أن تكون بليّة أو نعمة .
فإن كانت بليّة فتطالب فيها بالتّصبّر ، وهو الأدنى ، والصّبر وهو أعلى منه ، ثمّ الرّضا والموافقة ، ثمّ الفناء ، وهو للأبدال .
وإن كانت نعمة فتطالب فيها بالشّكر عليها ، والشّكر باللّسان والقلب والجوارح :
أمّا باللّسان : فالاعتراف بالنّعمة أنّها من اللّه عزّ وجلّ ، وترك الإضافة إلى الخلق لا إلى نفسك وحولك وقوّتك وكسبك ولا إلى غيرك من الّذين جرت على أيديهم ، لأنّك وإيّاهم أسباب وآلات وأداة لها ، وإنّ قاسمها ومجريها وموجدها والشّاغل فيها والمسبّب لها هو اللّه عزّ وجلّ ، والقاسم هو اللّه ، والمجري هو ، والموجد هو ، فهو أحقّ بالشّكر من غيره .
لا نظر إلى الغلام ( الحمّال ) للهديّة إنّما النّظر إلى الأستاذ المنفّذ المنعم بها ، قال اللّه تعالى في حقّ من عدم هذا المنظر « 1 » :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
[ الروم : 7 ] . فمن نظر إلى الظّاهر والسّبب ولم يجاوز علمه ومعرفته فهو الجاهل النّاقص قاصر العقل ، إنّما سمّي العاقل عاقلا لنظره في العواقب .
وأمّا الشّكر بالقلب : فبالاعتقاد الدّائم ، والعقد الوثيق الشّديد المنبرم .
إنّ جميع ما بك من النّعم والمنافع واللّذّات في الظّاهر والباطن في حركاتك وسكناتك من اللّه عزّ وجلّ لا من غيره ، ويكون شكرك بلسانك معبّرا عمّا في قلبك ، وقد قال عزّ وجلّ :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] . وقال تعالى :
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
[ لقمان : 20 ] . وقال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عليكم
لا تُحْصُوها *
[ إبراهيم : 34 والنحل : 18 ] . فمع هذا لا يبقى لمؤمن منعم سوى اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) في نسخة : ( النظر ) .