الأنبياء فضلا عن غيرهم ؛ والإدراك أن يحيط المدرك بكمال المدرك وهذا « 1 » لا يتصوّر إلا للّه ؛ فإذا لا يعرف اللّه غير اللّه كما قال الجنيد . وقد جاء في تفسير قوله - تعالى - :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
« 2 » أي ما عرفوه حقّ معرفته . وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه - « 1 » : لو عرفتم اللّه حقّ معرفته لرالت بدعائكم الجبال ولمشيتم على البحور ، ولو خفتم اللّه حقّ خوفه لعلمتم العلم الذي ليس معه جهل ، وما بلغ ذلك أحد ، قيل : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا ، اللّه أعظم من أن يبلغ أمره أحد .
وقال الصدّيق - رضى عنه - : سبحان من لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته الّا بالعجز عن معرفته . وقال أحمد بن عطاء : لا سبيل إلى معرفة اللّه لأحد وذلك لامتناع صمديّته وتحقيق ربوبيّته . وقيل لأبى الحسين النوري : كيف لا يدركه العقول ولا يعرف الّا بالعقول ؟ فقال كيف يدرك ذو مدى من لا مدى له ؟ وقيل لأبى العباس الدينوري : بم عرفت اللّه ؟ قال : بأنى لا أعرفه . وقال ذو النون : ما عرف اللّه من عرفه ولا وجده من اكتنهه ، ولا حقيقته أصاب من مثّله ، وإنّما أشكل ذلك على من أشكل من حيث ظنّ أنّ العلم بوجود اللّه وبوجود صفاته ، من العلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر ، هو معرفة اللّه وإدراك حقيقته وليس كذلك ؛ قال : الصوفيّة يفرّقون فرقا عظيما بين العلم باللّه وبين معرفة اللّه . والعلم بوجود القديم قريب واليه يشير قوله تعالى :
« أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ »
« 3 » .
فأمّا إدراك حقيقة الذات والمعرفة الحقيقيّة فليس ذلك الّا للّه ، وإليه تشير الكلمات الواردة في ذلك كما ذكرته آنفا . وليس العلم بوجود صانع قديم لهذا العالم مما يشكل على أهل الحقائق بل ذلك عندهم أظهر من الشمس . وكيف
هامش
( 1 ) ( 1 - 4 ) وهذا . . . عليهM - B.
( 2 ) سورة 6 ( الانعام ) آية 91 ك .
( 3 ) سورة 14 ( إبراهيم ) آية 10 ك .