المصري « 3 » : إنّ للّه عبادا ينظرون بأعين القلوب إلى محجوب الغيوب ، فتسيح أرواحهم في ملكوت السماء ثم تعود إليهم بأطيب جنى من ثمار السرور ؛ وهذا هو مرادي من قولي : طار الطائر إلى عشّه ثم رجع إلى القفص . ومن ذلك أنه تواجد رجل في مجلس يحيى بن معاذ فقيل له : ما هذا ؟ فقال غابت صفات الإنسانية وظهرت أحكام الربّانيّة . وسئل أبو الفوارس الكردي عن التوحيد فقال : ما يفتح منه عليك لا بك . وقال سليمان بن عبد اللّه : كلّ نفس يكون فيه ذكر اللّه فهو متّصل بالعرش .
وقال أبو حامد الأصطخرىّ : سألت ابا يعقوب الزابلىّ عن التصوّف فقال : هو أن يضمحلّ عنك عين الانسانيّة ومعالم الأينيّة . وقال حبشىّ بن داود : التصوّف هو إرادة الحق في الخلق بلا خلق . وقال يحيى بن معاذ : من رأى مع الحبيب غير الحبيب لم ير الحبيب .
وكثير من تلك الرسالة يدور على هذه القواعد . وكلّ لفظة من هذه الحكايات تحتاج إلى تمهيد قواعد وتأسيس أصول من علم الصوفية حتى يتحقّق معناها ، ولست الان أشرح ذلك فإنّه يستدعى فراغ القلب وخلوّ الهمّ وأنا مشغول الخاطر متحيّر فيما ابتلانى به التقدير من الحبس والقيد وسائر الأنكال :
صبّت علىّ مصائب لو أنها * صبّت على الأيام عدن لياليا
ولم اصنّف تلك الرسالة إلّا متوقعا لحسن الاسم في الحياة وترحّم يلحقني ممن يطالعها بعد الممات . ولو خطر ببالي أنّه يعقبنى ما رأيته وأراه لما أقدمت عليه قطّ :
غرست غروسا كنت أرجو لقاحها « 1 » * وآمل يوما أن تطيب جناتها « 2 » « 3 »
هامش
( 1 ) لقاحهاBوفي الحاشية : لحاقها .
( 2 ) جناة : كل ما يجنى .
( 3 ) ( 1 - 19 ) المصري . . . جناتهاM - B.