الا لمن حصل له ذلك بطريق الذوق عن تعليم الحق . ولذلك قال تعالى :
« وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ »
. وكل من لم يتعلّم القرآن من اللّه تعالى بغير واسطة فهو ليس من العالمين المشار إليهم في قوله تعالى
« وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ »
.
وهذا في المثال العامي يشبه كلام العشاق في الوصال والفراق وغيرهما من عوارض العشق وأحوال ما يتعلق به ؛ فإن الاسماع إذا قرعت بكلام العشاق لم تفهم معناه حق الفهم اللهم الّا من لا بس حالة العشق ذوقا . وهذا معنى قول الجنيد - رضى اللّه عنه - :
« كلامنا إشارة » ؛ ولا يتصوّر أن يكون للعارف كلام إلّا كذلك ، ومن تصرف في معانيه ببضاعة عقله وعلمه زلّت قدمه . ورحم اللّه ابا العبّاس بن سريج حيث سأله بعض تلامذته عمّا يقول الجنيد فقال له : رموز القوم لا نعرفها نحن ، الا أن لكلام الجنيد نورا . والغالب أن ابن سريج كان من أهل الذوق فإن كلامه هذا يعرب عن ذلك ، إلا أنه غلب عليه علم الظاهر ؛ وأمثاله كثيرة فيما بين العلماء .
الفصل الثالث والستون ( اقسام العلوم العقلية )
المسائل العقلية تنقسم بوجه من الوجوه إلى مالها وجهان ، وإلى مالها ثلاثة أوجه . وقد يظن بالمسائل التي لها ثلاثة أوجه أنها من المعارف وليست من العلوم ، وهو ظن فاسد ؛ وإنما ذكرت هذا الفصل لتدفع أمثال هذه الظنون عن نفسك . أما القسم الأول وهو الذي له وجهان : أحدهما إلى نطق المعلّم المرشد ، والثاني إلى فهم المتعلم