تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان — صفحة مقدمة 66

مساهمون:

صمقدمة ٦٦

الفصل الستون ( ترتيب الموجودات وتكثرها في نظر العالم والعارف )

الناظرون بعين العقل يرون للموجودات في ذواتها ترتيبا ، ويرون بعضها أقرب من البعض إلى الأول الحق بالضرورة ؛ ولا يتصوّر أن يكون إلا كذلك ؛ ويرون مصدر الوجود واحدا ، ويرون الموجودات الصادرة عنه كثيرة ؛ فلا جرم يحتاجون إلى تكلفات باردة في بيان كيفية صدور الكثرة عن الوحدة . فأما الناظرون بعين المعرفة فإنهم لا يرون للموجودات ترتيبا أصلا ؛ ولا يرون بعضها إلى الحق أقرب من البعض ، بل يرون هويّته مساوقة لكل موجود حسب مساوقتها للموجود الأول في نظر العلماء من غير فرق . وما لم يصل الرجل إلى هذا المقام ، فلا يتجلى له معنى قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ »
؛ ولا معنى قوله
« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »
، وإنما يحظى من سماع أمثال هذه الآيات بسماع حروف وكلمات . ثم أهل المعرفة لا يرون مساوقته للموجودات كما يراها العلماء للعقل الأول . ويرون ، أعنى العارفين ، مصدر الموجودات كثيرا ، ويرون الموجودات كلّها كالذّرة بالنسبة إلى عظمته . ومن كان ينظر إلى اللّه تعالى وأفعاله بهذه العين ، فلا يحتاج إلى العلم بكيفية صدور الكثرة عن الوحدة ؛ فيكون كل ما ذكر في هذا المعنى عنده