التعليم أبى إلى أن قال : « فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدت لك منه ذكرا » أي حتى تنفتح عين المعرفة في باطنك ، فحينئذ تستيقن حقيقة ما رأيته من قبل . وأما قبل انفتاح تلك العين فلا سبيل لك إلى ادراك تلك الحقائق الا بطريق التأويل كما قال له حيث صمّم العزم على فراقه
« سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً »
؛ ولو صبر إلى وقت انفتاح عين المعرفة لكان يحدت له ذكرا ، وهو كناية عن مشاهدة حقيقة التفسير بحيث لا يبقى إلى التأويل حاجة . ولهذا المعنى قال النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : رحم اللّه أخي موسى ، فلو صبر مع الخضر لرأى كثيرا من العجائب . ولعلّ الحديث من حيث اللفظ يخالفه .
الفصل الثاني والستون ( المعارف علوم لدنيّة لاتفهم حقائقها من العبارات المتشابهة )
علوم الأنبياء لدنيّة فمن كان علمه مستفادا من الكتب والمعلمين ، فليس هو من ورثة الأنبياء في علمه ذاك الا من طريق التوسع في العبارة عن لفظ الميراث . وعلوم الأنبياء لاتستفاد الا من اللّه - عز وجلّ - كما قال :
« وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
. ولا تظنّن أن تعليم الحق يختص به النبي فقط ؛ قال اللّه تعالى :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ »
. وكل من وصل في سلوكه إلى حقيقة التقوى فلابدّ أن يعلمه اللّه ما لم يعلم ، ويكون معه كما قال :
« إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ »
.
وأمثال هذه العلوم إذا عبر عنها بعبارات متشابهة لم يكن فهم حقائقها من تلك العبارات