وقال : ( الذكر بالعلم رسم ، وبالوجد حقيقة ، والذكر الحقيقيّ الخفيّ ليس بالعلم ، ولا بالتوجيد ) .
أقول : يعني من ذكر الحقّ بأنّه صانعه - كما هو حكم العلم - فهذا الذكر رسم ، ومن ذكره بأنّه عين الذاكر والمذكور - كما هو حكم الوجد - فذكره حقيقة ، وهذان الذكران يشعر بهما العبد ، ويعمّهما الذكر الجليّ ، ووراؤهما ذكر لا يشعر به القلب ، وهو الذكر الخفيّ .
وأراد بالتوجيد الوجد ، أي الذكر الخفيّ ليس بالعلم ، ولا بالوجد .
وقال : ( الذكر الخفيّ ، الذي يخفى على القلب ) .
أقول : معناه ظاهر .
وكذا معنى قوله : ( الذكر الخفيّ ، الذي خفي عن الذكر ) .
وقال : ( الذكر الخفيّ قيد اللسان ، وموافقة القلب بالغيب ) .
أقول : هذا القول موافق للقولين السابقين من جهة المعنى بعبارة أخرى ، يعني أنّ الذكر الخفيّ أن تسكت عن الذكر اللّساني ، وتوافق غيب الحقّ بغيبك ؛ أي تجعل غيبك وفق غيبه ، فكما أنّ غيبه لا يطّلع عليه أحد إلّا هو ، فكذلك غيبك لا يطّلع عليه إلّا هو ، والمراد بغيبك هذا ذكرك الحقّ ، الذي يغيب عن الخلق حتى عن نفسك ، فإنّك من الخلق .
وقال : ( من ذكر اللّه ورضي بذلك فذكره رسميّ ، ومن ذكر اللّه بتذكار المذكور فذكره حقيقيّ ، بأبلغ تذكار ، ذكر أطلقه لذكر اللّه تعالى ، فإنّه أحقّ بذلك ) .
أقول : أراد أنّ من ذكر اللّه بنفسه ورضي بذلك ، فذكره رسميّ لا حقيقيّ ، ومن ذكره ورأى في ذلك ذكر المذكور نفسه ، ووحدة الذكر والمذكور ، فذكره حقيقيّ ؛ لأنّ حقيقة الأمر أنّ ذكر العبد رسم حقيقة ذكر الحقّ ، وأثر غيبة ذلك الذكر ؛ ولهذا قال : « التذكار ذكر الحقّ » .
وقال : ( الذكر وسواس ، والتذكار استئناس ) .
أقول : الوسواس هنا بمعنى الوسوسة ، ويأتي بمعنى الموسوس ، وهو الشيطان كما في قوله سبحانه :
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ( 4 ) الَّذِي يُوَسْوِسُ