والتعبّد بالنفس أصل ، وأعزّ من المال ، وهو الصلاة والصوم ، والصلاة منهما أصل ؛ لأنّها سرّية وجهرية ، والصوم سرّيّ فقط ؛ أو لأنّها في كلّ يوم وليلة ، والصوم في بعض الأيّام ، والتعبّد بالمال الزكاة ، وبهما الحجّ ، فعلم من هذا أنّ الصلاة أوّل التعبد وأصله .
والإيمان أصل الدين ، لصحّة التعبد به ، فيكون مع أقسام التعبّد ، وهي أربع ، أو خمس ؛ كما ورد : « بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمدا عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، والحجّ » « 1 » .
ولمّا كانت الصلاة أصل التعبّد ، وهي لا تتمّ إلّا بالذّكر لأنّه المقصود من إقامتها في قوله تعالى :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
[ طه : الآية 14 ] ، فلا يتمّ غيرها من التعبّد إلّا بها .
وقال : ( من أماتته العظة أحياه الذّكر ، ومن أماته الذّكر أحياه المذكور ) .
أقول : العظة والوعظ بمعنى تنبيه الغافلين على قبح الدنيا وحسن الآخرة لينصرفوا عن الحياة الدنيوية إلى الحياة الأخرويّة ، فمن أماتته العظة عن الحياة الفانية أحياه ذكر اللّه والآخرة بالحياة الباقية ، ومن أماته الذكر عن وجوده أحياه المذكور بوجوده ؛ وذلك لأنّ نهاية الذكر فناء الذاكر في المذكور ، وبقاؤه به .
وقال : ( الذكر نور المؤمن ، وجلاء صدره ) .
أقول : اعلم أنّ القلب مرآة الحقّ ، كلّما غفل عنه علاه طبع الطبع ، وتغشّته ظلمة النفس ، وتغوية الشيطان ، فإذا ذكر اللّه تعالى خنس الشيطان ، وتنصقل مرآة القلب وتنجلي بنور الذكر ، قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
( 36 ) [ الزّخرف : الآية 36 ] .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب الإيمان وقول . . . ، حديث رقم ( 8 ) [ 1 / 12 ] ؛ ومسلم في صحيحه ، باب بيان أركان الإسلام . . . ، حديث رقم ( 16 ) [ 1 / 45 ] ورواه غيرهما .