عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » ، فإن أراد مثلا أن يعرف رضا الحقّ منه ، عرفه في رضا نفسه منه ، وإن أراد أن يعرف سخطه منه ، عرفه في سخطه على مجازاته بالإقدار عليه « 2 » ، وهكذا في كلّ صفة .
وقال : ( الذكر ميراث الذكر ) .
أقول : أي ذكر العبد ميراث ذكر اللّه السابق ، وذكر اللّه اللّاحق ميراث ذكر العبد ، فذكر العبد بين الذكرين .
وقال : ( الذكر التسلّي ) .
أقول : التسلّي بالشيء عن الشيء القناعة به عنه ، وذاكر الحقّ يتسلّى بذكره عن وصله ؛ لأنّ الوصل الحقيقيّ لا يكون إلّا عند الانفصال عن لوث الصلصال ، فالذكر قبل الوصول التسلّي عنه .
وقال : ( الذكر تقدمة الحقّ ) .
أقول : التقدمة بمعنى التقديم ، كالتكرمة بمعنى التكريم ، ولهذا القول احتمالان من المعنى :
الأول : أنّ ذكر الحقّ عبده عبارة عن تقديمه إيّاه على غيره ، فإضافة التقدمة إلى الحقّ إضافة إلى الفاعل .
الثاني : أنّ ذكر العبد ربّه عبارة عن تقديمه رضاه على غيره ، فالإضافة إلى المفعول .
فعلى الأول : من قدّمه الحقّ على غيره بشيء من عوارفه الذوارف ، كالإيمان ، والعلم ، والعمل الصالح ، والثواب عليه ذكره به .
وعلى الثاني : إذا قدّم العبد رضا مولاه على غيره ، بشيء من العبادة والإخلاص ، فقد ذكره به .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 2 ) يشير إلى قوله تعالى :وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ[ الأنبياء : الآية 87 ] .