وقال : ( أعظم حجاب بين اللّه سبحانه ، وبين خلقه ، موكّل بالإشارة ) .
أقول : توكيل الشيء بآخر جعله لازما له ، وإنّما جعل لازم الإشارة حجابا ؛ لأنّهما بقيد التعيين والتفرقة ، والتفرقة حجاب ، وجعله أعظم حجاب ؛ لأنّه مستور ، لا يطّلع عليه إلّا موفّق ، وقد جاء في التنزيل :
جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
[ الإسراء : الآية 45 ] .
وقال : ( الإشارة ما نفى العبارة ، فإذا جاءت العبارة خفى ) .
أقول : عرّف الإشارة بأنّها ما نفى العبارة ؛ لأنّ مدلول الإشارة ظاهر جليّ ، ومدلول العبارة باطن خفيّ ؛ كالبياض المسؤول عنه بما هو مثلا ، تدلّ العبارة عنه على معنى غير ظاهر في الذهن ، من كونه عرضا ، وكذا ، وكذا .
والإشارة إليه تدلّ على موجود ظاهر في الحسّ ، فكلّ عبارة تدلّ على الحقّ باطنا تنفيها الإشارة إليه ظاهرا ، ثمّ إذا جاءت العبارة خفي المدلول ، وقد جاء في كلام المتصوّفة : « إشارة العبارة ، وعبارة الإشارة » ، يعنون بإشارة العبارة تعيينها المعبّر عنه ، وبعبارة الإشارة دلالتها على المشار إليه .
وقال : ( الإشارة بالعلم فعل الصالحين ، والإشارة بالحقيقة فعل المريدين ، والإشارة بالحقّ فعل المرادين ، والإشارة بنفي الإشارة فعل العارفين ) .
أقول : المريد والمراد بمعنى المحبّ والمحبوب ، وأراد بالإشارة : الإشارة إلى الحقّ ، وتحقّقها بأسباب :
1 - إمّا بالعلم . 2 - أو بالحقيقة . 3 - أو بالحقّ . 4 - أو بنفي الإشارة .
والإشارة إلى الحقّ بالعلم فعل الصالحين ، وهي التفرقة المحضة ، وبالحقيقة فعل المحبّين ، وهي الجمع المحض ، وبالحقّ فعل المحبوبين ، وهي الجمع مع التفرقة ، وبنفي الإشارة فعل العارفين ، وهي ترك الإشارة إلى الحقّ .
وقال : ( الإشارة بالمعقول تحيّر ، وبالمفهوم دهشة ، وبالمعلوم بهتة ) .
أقول : الدهشة والبهتة مراتب الهيمان ، بعضها أكثف من بعض ، كما سبق ذكره في أوّل فصل المعرفة ، والمعقول المدرك بالعقل ، والمفهوم المدرك بباطن