وأمّا بيان كون الإشارة سبب الابتلاء ، فمذكور في قوله : ( من أشار إلى الحقّ من غير وجد متقدّم ، أشهره بشواهد البليّات ، ووجده إلى ضدّ الإشارة ) .
أي : من أشار إلى الحقّ بأنّ وجده من غير وجد متقدّم على الإشارة ، ابتلاه اللّه عزّ وجلّ بالبليّات ، الشواهد على أنّه غير صادق فيما أشار إليه ، وجعله بين الناس شهرة ، وصرفه عن تلك الإشارة إلى ضدّها ، وهو الاعتراف بالفقد والحرمان .
وهذا الكلام يدلّ بمدلوله ، على أنّ المشير الواجد لا ينقلب عن إشارته إلى ضدّها بالبليّات ، كالحلّاج ؛ فإنّه ما رجع عن إشارته ب « أنا الحقّ » إلى ضدّها ، بسبب بليّة القتل والصلب .
وقال : ( من أشار إلى الحقّ بالعلم سلم من البليّة ، ومن أشار إليه بالمعرفة أفنته حقائق الطوية ) .
أقول : الطوية بمعنى الباطن ، أي من أشار إلى الحقّ بحكم العلم ، فقال :
هو مبدع الأشياء وصانعها ، سلم من البليّات المفنية ، ومن أشار إليه بمقتضى المعرفة ، وقال لما هو خلق : هو الحقّ الظاهر في لباس الخلق ، أفناه ما في باطنه من حقائق التجلّي ، والمشاهدة ، والمعرفة . وأسند الفعل إلى الحقائق ؛ لأنّه سبب عنها .
وقال : ( من أشار إلى الحق بالعلم ظفر ، ومن أشار إليه بالمعرفة كفر ) .
أقول : هذا الكلام عين الأول من حيث المعنى ؛ لأنّ معنى ظفر فاز بالسلامة من البليّة ، ومعنى كفر ستر وجوده وأفناه ؛ لأنّ الكفر على ضربين :
1 - كفر الحقّ بالخلق ، وهو مذموم .
2 - وكفر الخلق بالحقّ ، وهو المشار إليه بقوله : ( كفر ) .
وستر الخلق بالحقّ إفناؤه به ، كما أنّ الشمس تستر ظلمة الليل بنورها ، وتفنيها .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 58
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٥٨