كتاب الآداب
باب إبطال طريق الملامة
قال الشيخ المقدسي رحمه اللّه : اعلم أخي أحسن اللّه لك المعونة أنني ابتدأت بهذا الباب في أول الكتاب لأنه الأصل يبتنى عليه سائره ، وهذه الطائفة زعمت أنها أصلحت بواطنها وأفسدت ظواهرها ، وهذه طريقة مخوفة نهى الشرع عن سلوكها ، فما قل ما تركت هذه الطائفة من طريقة أهل الصفة حفظ الآداب ، وأجل ما ارتكبت في سلوكها هذه المحجة ترك أوامر الشريعة ونواهيها ، وكان بعض مشايخ المتقدمين يسلك هذه الطريقة لإسقاط الجاه وإزالة الرياء عن نفسه ، وكان يمكنه أن يزيل هذين النوعين عن نفسه بغير هذه الطريقة من التفرد والانزواء والتغرب عن الوطن وترك الرئاسة ، ولكنهم كما قال الأمير عبد اللّه بن طاهر لإسحاق بن راهويه ودخل عليه وهو يأكل شيئا ، فقال له : يا أبا يعقوب إن لم يكن تركك الرياء من الرياء فليس في الأرض أقل رياء منك .
798 - أخبرنا بذلك أبو بكر الخطيب ، قال : أنا أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ ، قال : سمعت بشر بن أحمد التميمي ، يقول : سمعت داود بن الحسين البيهقي ، يقول : سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، يقول : دخلت على الأمير عبد اللّه بن طاهر وفي كمي تمر آكله ، فقال لي الأمير : يا أبا يعقوب إن لم يكن تركك الرياء من الرياء فما في أحد بأقل رياء منك .
هذا كان مقصود الأوائل من هذه الطريقة ، فأما اليوم فمقصودهم غير ذلك ، فلا يجوز أن يستر من أحوالهم ما هتكوه ، وليس بينهم وبين أهل الصفة مناسبة البتة في شيء من أحوالهم ، وإنما اعتمادهم مخالفة الشرع وسلوك طريق الإباحة لا غير ، واللّه بمنه وفضله يعصمنا وإياك من الأهواء المضلة والآراء المضمحلة ، إنه جواد كريم .
799 - أخبرنا الأئمة أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني ، بمكة ، وأبو محمد هياج بن عبيد الحطيني ، بالمدينة ، وأبو الفتح نصر بن إبراهيم النابلسي ، بالقدس ، قالوا : أنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن يحيى ، بدمشق ، قال : نا علي بن يعقوب بن إبراهيم ، قال : نا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النضري ، قال : نا أبو نعيم ، عن زكريا ، عن عامر الشعبي ، قال : سمعت النعمان بن بشير ، يقول : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : " الحلال بين والحرام بين ، وبينهما متشابهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ، ومن وقع في الشبهات