58 - باب : في بيان غرور الدنيا
جميع أحوال الدنيا مصروفة إلى ما يسوء ويسرّ ، فليست مساعدة لجميع أهلها ، وإنما هي متلوّنة ، على ما اقتضته حكمة الحكيم . قال سبحانه :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
« 1 » . قال بعض المفسرين : مختلفين في الرزق ، يريد اختلافهم في الغنى والفقر .
فمن الواجب على من ساعدته دنياه وأخدمها له مولاه ، أن يتلقى ذلك بشكره ، ويتوجه إليه بصنائع المعروف فإنها تقي مصارع السوء ، ولا يغتر بدنياه وكفى بقوله تعالى :
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
« 2 » .
وقوله تعالى :
وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ
« 3 » الآية . تنفيرا عن الغرور بها .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « حبّذا نوم الأكياس « 4 » وفطرهم ، كيف يغبطون سهر الحمقى واجتهادهم ، ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين ، أفضل من ملء الأرض من المغترّين » .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على اللّه الأماني » .
وقال الشاعر :
ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه * فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة * وإن أقبلت كانت كثيرا همومها
وقال آخر :
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآيتان : 118 ، 119 .
( 2 ) سورة فاطر ، الآية : 5 .
( 3 ) سورة الحديد ، الآية : 14 .
( 4 ) الأكياس : العقلاء مفردها كيّس .