أما في العصر الحديث فيذهب المشتغلون بالنحو إلى أنه ليس في اللغة عامل كما تصور النحاة ، وإنما هي من عمل اللغة نفسها ، وارتضى العرف أن تأتى على هذه الأنماط ، وأن توزع الوظائف والقيم في اللغة .
هذا هو مجمل الآراء الحديثة . . وهو أمر لا يستطيع المرء أن يتقبله دون أن تكون له وجهة نظر فيما ذهبوا إليه . .
لأن اللغة ليست إحدى العناصر الطبيعية التي جاءتنا هكذا . . لها درجة انصهار ودرجة غليان ووزن نوعي ووزن جزيئى وذرى . . . إلخ ، وعلينا أن نتعامل معها كما هي . . إنما اللغة صناعة بشرية ، قامت بها أجيال من البشر لتحقق أغراضا حياتية متنوعة تحتاج إلى أساليب في التعبير تابعة لكل غرض ، وحيث إن الأغراض متنوعة ووسائل التعبير متنوعة . . فإن ذلك كله بحاجة إلى تفسيرات تتعدى كثيرا فهمنا ( لخواص المادة ) إنها منطق وعقل باعتراف هذه الآراء ، ومن حق العقل أن ( يفسر ) هذه الأوضاع وأن يرجع كل وضع إلى سببه العميق في عقول المتكلمين باللغة وفي أذواقهم وفي أعرافهم .
على كل حال . . ليس هذا موضوعنا هنا . . فلنا معه لقاء أخر في كتاب لنا خاص بالموضوع سيكون عنوانه بإذن اللّه « رأى خاص في بعض مسائل الخلاف بين النحاة » ولا داعى لأن نقحم أنفسنا هنا فنحول بين الشيخ وقرائه .
نحو القلوب — صفحة 519
مساهمون: ابو القاسم عبد الكريم القشيري
ص٥١٩